صورة من Pexels — المصدر
البلاستيك الدقيق في الدم: تهديد خفي لصحة الإنسان
في عالمنا الحديث، أصبحت المواد البلاستيكية جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، من عبوات الطعام والشراب إلى الملابس والأجهزة الإلكترونية. ومع هذا الانتشار الواسع، ظهرت ظاهرة جديدة ومقلقة: تفتت البلاستيك إلى جزيئات دقيقة جدًا، تُعرف بالبلاستيك الدقيق (Microplastics)، التي لا تلوث بيئتنا فحسب، بل بدأت تتسلل إلى أعماق أجسامنا. لقد أظهرت الاكتشافات العلمية الأخيرة وجود هذه الجزيئات في مجرى الدم البشري، مما يثير تساؤلات جدية حول تأثيراتها المحتملة على صحتنا على المدى الطويل. هذا المقال سيتعمق في فهم ماهية البلاستيك الدقيق، وكيف يصل إلى دمنا، والآليات المحتملة التي قد يؤثر بها على صحة الإنسان، وما الذي يمكننا فعله لمواجهة هذا التحدي المتنامي.
ما هو البلاستيك الدقيق وكيف يصل إلى أجسامنا؟
البلاستيك الدقيق هو أي قطعة من البلاستيك يقل حجمها عن 5 مليمترات. يمكن أن تكون هذه الجزيئات صغيرة جدًا لدرجة لا تُرى بالعين المجردة، وقد تنشأ بطريقتين رئيسيتين: إما من التفتت التدريجي لقطع البلاستيك الكبيرة (مثل الزجاجات والأكياس والإطارات) بفعل العوامل الجوية والاحتراق والاحتكاك، أو تُصنع عمدًا بأحجام دقيقة لاستخدامات معينة، مثل الكريات الدقيقة في بعض مستحضرات التجميل أو المنظفات الصناعية.
تصل هذه الجزيئات إلى أجسامنا عبر عدة مسارات رئيسية:
- الاستنشاق: يتواجد البلاستيك الدقيق في الهواء الذي نتنفسه، سواء في الأماكن المغلقة أو المفتوحة. يمكن أن تأتي من تآكل الأقمشة الاصطناعية (مثل البوليستر والنايلون) في الملابس والسجاد، ومن إطارات السيارات، ومن غبار المدن. عند استنشاقها، يمكن لهذه الجزيئات أن تستقر في الرئتين، ومن هناك، قد تنتقل إلى مجرى الدم.
- الابتلاع: يُعد هذا المسار الأكثر شيوعًا. نبتلع البلاستيك الدقيق مع طعامنا وشرابنا. تتلوث المأكولات البحرية (خاصة المحار والأسماك الصغيرة) بالبلاستيك الدقيق الموجود في المحيطات. كما يمكن أن تنتقل الجزيئات من العبوات البلاستيكية إلى الطعام والماء، وخاصة عند تسخين الطعام في الأوعية البلاستيكية. بالإضافة إلى ذلك، مياه الشرب، سواء المعبأة في زجاجات بلاستيكية أو حتى مياه الصنبور غير المفلترة جيدًا، قد تحتوي على هذه الجزيئات.
- الامتصاص الجلدي: على الرغم من أنه مسار أقل دراسة، إلا أن هناك احتمالية لامتصاص بعض الجزيئات الدقيقة جدًا عبر الجلد، خاصة إذا كانت موجودة في منتجات العناية الشخصية.
بمجرد دخولها الجسم عبر الجهاز التنفسي أو الهضمي، يمكن للبلاستيك الدقيق، خاصة الأصغر حجمًا، أن يخترق الأنسجة ويصل إلى مجرى الدم، ليصبح بذلك مادة غريبة تتجول في أنحاء الجسم.
اكتشاف البلاستيك الدقيق في الدم: نقطة تحول علمية
حتى وقت قريب، كان التركيز البحثي ينصب على وجود البلاستيك الدقيق في البيئة وفي الجهاز الهضمي للإنسان والحيوان. لكن في عام 2022، شهد المجتمع العلمي نقطة تحول عندما أظهرت دراسة رائدة نُشرت في مجلة "Environment International" لأول مرة وجود جزيئات البلاستيك الدقيق في عينات الدم البشري. فحص الباحثون الهولنديون عينات دم من 22 متبرعًا صحيًا، ووجدوا البلاستيك الدقيق في 17 منهم، أي ما يقرب من 80% من العينات.
أنواع البلاستيك التي تم العثور عليها شملت البولي إيثيلين تيرفثالات (PET)، المستخدم في زجاجات المشروبات، والبوليسترين (PS)، المستخدم في تغليف المواد الغذائية، والبولي إيثيلين (PE)، المستخدم في أكياس التسوق والزجاجات، بالإضافة إلى البولي بروبيلين (PP) والبوليميثيل ميثاكريلات (PMMA). هذا الاكتشاف حاسم لأنه يؤكد أن البلاستيك الدقيق لا يقتصر وجوده على الجهاز الهضمي أو الرئتين، بل إنه قادر على اختراق الحواجز البيولوجية والوصول إلى الدورة الدموية، مما يعني أنه يمكن أن ينتقل إلى مختلف الأعضاء والأنسجة في الجسم، بما في ذلك الدماغ والكلى والكبد وحتى المشيمة.
هذا الكشف يفتح الباب أمام مجموعة واسعة من الأسئلة حول التوزيع الفعلي لهذه الجزيئات داخل الجسم، ومدة بقائها، وكيفية تفاعلها مع الخلايا والأنسجة، والأهم من ذلك، ما هي الآثار الصحية المترتبة على وجودها.
الآليات المحتملة لتأثير البلاستيك الدقيق على الصحة
وجود البلاستيك الدقيق في الدم يعني أنه يمكن أن يتفاعل مع مكونات الدم والخلايا والأنسجة، مما قد يؤدي إلى مجموعة من التأثيرات الضارة. تشمل الآليات المحتملة للتأثير على الصحة ما يلي:
1. الالتهاب والاستجابة المناعية
تُعد جزيئات البلاستيك الدقيق أجسامًا غريبة بالنسبة للجهاز المناعي. عند دخولها الجسم، قد تُحفز استجابة التهابية. يقوم الجهاز المناعي بمحاولة التعرف على هذه الجزيئات والتخلص منها، مما قد يؤدي إلى إطلاق السيتوكينات الالتهابية والجزيئات الأخرى التي تسبب الالتهاب. الالتهاب المزمن، حتى على مستوى منخفض، يرتبط بمجموعة واسعة من الأمراض، بما في ذلك أمراض القلب والأوعية الدموية، والاضطرابات الأيضية، وبعض أنواع السرطان.
2. الإجهاد التأكسدي
يمكن للبلاستيك الدقيق أن يحفز إنتاج أنواع الأكسجين التفاعلية (ROS) في الخلايا، وهي جزيئات يمكن أن تسبب تلفًا للأحماض النووية (DNA)، والبروتينات، والدهون الخلوية. يُعرف هذا بـ "الإجهاد التأكسدي"، الذي يُعد عاملًا مساهمًا في شيخوخة الخلايا وتطور العديد من الأمراض المزمنة.
3. التأثيرات الهرمونية والاضطرابات الإنجابية
البلاستيك نفسه غالبًا ما يحتوي على مواد مضافة كيميائية، مثل الفثالات وثنائي الفينول أ (BPA)، وهي معروفة بأنها "معطلات للغدد الصماء". هذه المواد يمكن أن تتسرب من البلاستيك الدقيق داخل الجسم وتتداخل مع النظام الهرموني الطبيعي. يمكن أن تحاكي الهرمونات الطبيعية أو تمنع عملها، مما يؤثر على النمو والتكاثر والأيض. وقد أظهرت الدراسات الأولية على الحيوانات أن التعرض للبلاستيك الدقيق يمكن أن يؤثر سلبًا على الخصوبة وجودة الحيوانات المنوية، ويؤثر على تطور الأجنة.
4. تلف الخلايا والأنسجة
بسبب طبيعتها الفيزيائية، يمكن لجزيئات البلاستيك الدقيق أن تسبب ضررًا ماديًا مباشرًا للخلايا والأنسجة، خاصة إذا تراكمت في أعضاء معينة. يمكن أن تؤثر على وظيفة الحواجز الخلوية، وتغير من نفاذية الأغشية، مما يؤدي إلى خلل في وظائف الخلايا. كما أن تراكمها قد يعيق العمليات الفسيولوجية الطبيعية للأعضاء.
5. حمل الملوثات الكيميائية والميكروبية
يتميز البلاستيك الدقيق بقدرته على امتصاص الملوثات الكيميائية الأخرى الموجودة في البيئة، مثل المبيدات الحشرية، والمعادن الثقيلة، والملوثات العضوية الثابتة (POPs). عندما يدخل البلاستيك الدقيق المحمل بهذه السموم إلى الجسم، يمكن أن يعمل كـ "حصان طروادة"، حيث يطلق هذه الملوثات الكيميائية داخل الجسم، مما يزيد من العبء السمي. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للبلاستيك الدقيق أن يحمل الكائنات الدقيقة، مثل البكتيريا والفيروسات، مما قد يؤدي إلى انتشار مسببات الأمراض.
أمثلة على الدراسات الأولية والتحديات البحثية
لا تزال الأبحاث حول تأثير البلاستيك الدقيق على صحة الإنسان في مراحلها المبكرة، ومعظم الأدلة حتى الآن مستمدة من الدراسات المخبرية (في المختبر) أو الدراسات على الحيوانات. على سبيل المثال، أظهرت دراسات على الفئران أن التعرض للبلاستيك الدقيق يمكن أن يؤدي إلى تغييرات في ميكروبيوم الأمعاء، والتهاب في الكبد، وحتى تأثيرات سلوكية عصبية. كما وُجد البلاستيك الدقيق في المشيمة البشرية، مما يثير مخاوف بشأن تأثيره على نمو الجنين.
التحديات البحثية كبيرة ومعقدة. فالبلاستيك الدقيق يأتي بأحجام وأشكال وأنواع كيميائية مختلفة، وكل منها قد يتفاعل بطريقة مختلفة مع الجسم. كما أن التعرض البشري ليس لنوع واحد من البلاستيك الدقيق، بل لمزيج معقد من الجزيئات، غالبًا ما تكون محملة بملوثات أخرى. يتطلب فهم الآثار الصحية طويلة المدى دراسات وبائية واسعة النطاق تستمر لسنوات، وهو أمر صعب التنفيذ نظرًا لحداثة الموضوع. ومع ذلك، فإن الاكتشافات الأخيرة تحفز المزيد من البحث العاجل في هذا المجال.
ماذا يمكننا أن نفعل؟ استراتيجيات للحد من التعرض
نظرًا لانتشار البلاستيك الدقيق في كل مكان، قد يبدو من المستحيل تجنب التعرض له تمامًا. ومع ذلك، هناك خطوات يمكننا اتخاذها على المستويين الفردي والمجتمعي للحد من هذا التعرض وتقليل المخاطر المحتملة:
على المستوى الفردي:
- تقليل استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام: تجنب زجاجات المياه البلاستيكية، والأكواب التي تستخدم لمرة واحدة، وأكياس التسوق البلاستيكية. استخدم بدائل قابلة لإعادة الاستخدام مثل زجاجات المياه المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ أو الزجاج، وأكياس التسوق القماشية.
- اختيار الألياف الطبيعية: قلل من شراء الملابس المصنوعة من الألياف الاصطناعية (مثل البوليستر والنايلون والأكريليك) التي تطلق البلاستيك الدقيق أثناء الغسيل. اختر الألياف الطبيعية مثل القطن والصوف والكتان.
- تجنب تسخين الطعام في البلاستيك: لا تقم بتسخين الطعام في أوعية بلاستيكية في الميكروويف، حيث يمكن أن تزيد الحرارة من تسرب جزيئات البلاستيك والمواد الكيميائية المضافة إلى الطعام.
- ترشيح مياه الشرب: استخدم فلاتر المياه المنزلية عالية الجودة لمياه الصنبور، أو فكر في استخدام أنظمة تنقية المياه التي تزيل الجزيئات الدقيقة.
- تهوية المنزل واستخدام منقيات الهواء: يمكن أن يقل
0 تعليقات