شرط سوريا لفتح مكتب اتصال إسرائيلي بدمشق: تحليل لدلالات تحول محتمل

إعلان
شرط سوريا لفتح مكتب اتصال إسرائيلي بدمشق: تحليل لدلالات تحول محتمل

Free image source


شرط سوريا لفتح مكتب اتصال إسرائيلي بدمشق: تحليل لدلالات تحول محتمل

تتصاعد وتيرة الأنباء والتحليلات حول تحولات محتملة في خارطة العلاقات الإقليمية المعقدة، وفي هذا السياق، برز تقرير حديث عن "سكاي نيوز عربية" نقلاً عن مصدر، يشير إلى أن دمشق اشترطت انسحاب إسرائيل الكامل من هضبة الجولان السورية المحتلة مقابل فتح مكتب اتصال إسرائيلي في العاصمة السورية. هذا الخبر، وإن كان مجرد تسريب من مصدر غير رسمي، يحمل في طياته دلالات عميقة وتساؤلات جوهرية حول مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي، ومسارات التطبيع، والتحولات الجيوسياسية في المنطقة. فهل نحن أمام بالون اختبار إسرائيلي، أم مؤشر على رغبة سورية في كسر عزلتها الدولية بتقديم شرط قد يبدو مستحيلاً في الظروف الراهنة؟ وهل يمكن أن يمثل هذا الشرط نقطة بداية لمسار طويل وشائك نحو تسوية، أم أنه مجرد تكتيك سياسي في لعبة معقدة الأبعاد؟

خلفية تاريخية: عقود من العداء والجمود

لطالما كانت العلاقات السورية الإسرائيلية عنواناً للعداء المستحكم والجمود المطلق منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948. شاركت سوريا في جميع الحروب العربية الإسرائيلية الكبرى، وكانت هضبة الجولان، التي احتلتها إسرائيل في حرب عام 1967 وضمتها لاحقاً عام 1981 في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي، هي جوهر الصراع ونقطة الخلاف الأساسية. فشلت محاولات متعددة للتوصل إلى تسوية سلمية في التسعينيات وأوائل الألفية، كان أبرزها مفاوضات واشنطن ومدريد التي تعثرت بشكل متكرر، وكان الانسحاب الإسرائيلي من الجولان هو الشرط السوري الثابت الذي لم تتنازل عنه دمشق يوماً.

على مدى عقود، بقيت الحدود السورية الإسرائيلية، باستثناء بعض التوترات المتقطعة، هادئة نسبياً تحت مراقبة قوات الأمم المتحدة لفض الاشتباك (UNDOF). لكن هذه الهدوء لم يعنِ سلاماً، بل كان جموداً بارداً يخفي تحت سطحه عداءً عميقاً واستعداداً مستمراً للمواجهة. ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، تغير المشهد بشكل جذري. استغلت إسرائيل الفوضى والضعف السوري لتكثيف ضرباتها الجوية على أهداف إيرانية ومنظمات موالية لإيران داخل سوريا، مما زاد من تعقيد المشهد وأظهر مدى التداخل بين الصراع السوري الداخلي والصراع الإقليمي الأوسع.

الشرط السوري: الجولان أولاً وأخيراً

يأتي الشرط السوري بانسحاب إسرائيل الكامل من الجولان كإعادة تأكيد للموقف التاريخي لدمشق. الجولان ليست مجرد قطعة أرض بالنسبة لسوريا، بل هي رمز للسيادة الوطنية، ومصدر حيوي للمياه (نهر بانياس وروافد الأردن)، ومنطقة استراتيجية عسكرية تطل على دمشق من جهة، وعلى سهل الحولة وبحيرة طبريا من جهة أخرى. إن المطالبة باستعادة الجولان هي مطلب شعبي ورسمي لا يمكن لسوريا التنازل عنه، خاصة في ظل سعيها لإعادة تأكيد شرعيتها واستعادة مكانتها الإقليمية بعد سنوات من الحرب الأهلية والعزلة.

إن طرح هذا الشرط في الوقت الراهن، رغم ضعف سوريا الحالي، يمكن تفسيره بعدة أوجه: 1. ورقة تفاوضية: قد يكون الشرط السوري محاولة لرفع سقف المطالب في أي مفاوضات مستقبلية، لضمان الحصول على أقصى قدر ممكن من التنازلات، حتى لو لم يكن الانسحاب الكامل ممكناً على المدى القصير. 2. استعادة الشرعية: في ظل سعي دمشق لكسر عزلتها والعودة إلى الحضن العربي والدولي، فإن التمسك بقضية الجولان يعزز من موقفها كدولة متمسكة بحقوقها ومبادئها، ويمنحها بعض الشرعية في نظر الرأي العام العربي. 3. بالون اختبار مضاد: قد يكون الرد السوري على التسريب الإسرائيلي (بشأن الرغبة في فتح مكتب اتصال) هو بالون اختبار مضاد، يهدف إلى معرفة مدى جدية إسرائيل في البحث عن تسوية، وما إذا كانت مستعدة لدفع الثمن الحقيقي للسلام. 4. رسالة داخلية: قد تكون دمشق توجه رسالة إلى الداخل السوري مفادها أنها لم تتخل عن حقوقها التاريخية، وأن استعادة الجولان لا تزال أولوية قصوى.

الدوافع المحتملة خلف التسريب الإسرائيلي

من المهم تحليل سبب تسريب هذا الخبر من الجانب الإسرائيلي (أو نقلاً عن مصدر مقرب من إسرائيل) في المقام الأول. يمكن أن تكون هناك عدة دوافع: 1. جس النبض: قد تكون إسرائيل تحاول جس نبض دمشق، والقوى الإقليمية والدولية الفاعلة (خاصة روسيا)، لمعرفة مدى استعدادها للتفكير في مسار مختلف للعلاقات. 2. محاولة عزل إيران: في ظل سعي إسرائيل المستمر لتقويض النفوذ الإيراني في سوريا، فإن فتح قناة اتصال مع دمشق قد يُنظر إليه كخطوة محتملة لإبعاد سوريا عن المحور الإيراني، أو على الأقل تقليص الاعتماد السوري على طهران. 3. إظهار المرونة: قد تكون إسرائيل، في خضم التوترات الإقليمية المتزايدة وبعد سلسلة اتفاقيات التطبيع (اتفاقيات أبراهام)، تحاول إظهار مرونة دبلوماسية مع خصومها التقليديين، لتعزيز صورتها الإقليمية والدولية. 4. استكشاف الفرص: قد ترى إسرائيل في ضعف سوريا الحالي فرصة لاستكشاف إمكانية إقامة علاقات، ولو جزئية، قد تخدم مصالحها الأمنية على الحدود الشمالية. 5. رسالة لأطراف أخرى: قد تكون الرسالة موجهة أيضاً إلى الولايات المتحدة أو دول الخليج، مفادها أن إسرائيل مستعدة للتفكير في مسارات جديدة، مما قد يخدم مصالحها في تحالفات إقليمية أوسع.

المكاسب والخسائر المحتملة للطرفين

إن أي تحول في العلاقات السورية الإسرائيلية سيكون له مكاسب وخسائر كبيرة لكلا الطرفين، وللمنطقة ككل:

لسوريا: * المكاسب: استعادة الجولان (إن تحقق الشرط)، كسر العزلة الدولية، تدفق المساعدات لإعادة الإعمار، استقرار الحدود الشمالية، إمكانية عودة اللاجئين، تعزيز مكانتها الإقليمية. * الخسائر/التحديات: قد يؤدي أي تقارب مع إسرائيل إلى توتر علاقاتها مع إيران وحلفائها، مما يضعف "محور المقاومة" ويجعل دمشق في موقف صعب. كما أن التنازلات الأمنية المحتملة قد تكون مكلفة.

لإسرائيل: * المكاسب: أمن الحدود الشمالية، تقليص النفوذ الإيراني وحزب الله في سوريا، فتح قنوات دبلوماسية جديدة، تعزيز مكانتها كقوة إقليمية طبيعية، إمكانية فتح أسواق مستقبلية (وإن كان مستبعداً حالياً). * الخسائر/التحديات: التنازل عن الجولان سيعد خسارة استراتيجية وأمنية واقتصادية وسياسية كبيرة لإسرائيل، وسيواجه معارضة داخلية شرسة. كما أن أي تقارب مع سوريا قد يثير حفيظة بعض حلفائها الإقليميين.

المشهد الإقليمي والدولي: اللاعبون المتدخلون

لن يكون أي تقارب سوري إسرائيلي بمعزل عن اللاعبين الإقليميين والدوليين الرئيسيين:

  • روسيا: تلعب روسيا دوراً محورياً في سوريا، وهي وسيط محتمل لأي مفاوضات. مصالحها تكمن في استقرار سوريا، وتقليل النفوذ الإيراني المفرط، والحفاظ على وجودها العسكري والاقتصادي. قد ترى روسيا في أي تقارب فرصة لتعزيز نفوذها الدبلوماسي.
  • إيران: ستعارض إيران بشدة أي تطبيع سوري إسرائيلي، حيث ستعتبره ضربة قوية لمحورها في المنطقة. هذا قد يدفع إيران إلى تصعيد التوترات أو البحث عن بدائل لتعزيز نفوذها.
  • الولايات المتحدة: موقفها من الجولان معقد، فقد اعترفت بإدارة ترامب بضم إسرائيل له. ومع ذلك، قد تدعم واشنطن أي جهود دبلوماسية تؤدي إلى تقليص النفوذ الإيراني واستقرار المنطقة، لكنها قد تكون حذرة من منح النظام السوري شرعية دون شروط.
  • الدول العربية: بعد اتفاقيات أبراهام، تغيرت نظرة بعض الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل. قد ترى بعض الدول، خاصة تلك التي تسعى لعودة سوريا إلى الجامعة العربية، في هذا التقارب فرصة لإعادة دمج سوريا في المنظومة العربية، وربما تشجيعها على التنازل عن بعض مطالبها مقابل مكاسب أخرى. لكن الموقف العربي الموحد من الجولان كأرض سورية محتلة سيظل تحدياً.

تحديات وعقبات أمام أي تقارب

الطريق إلى أي تسوية بين سوريا وإسرائيل محفوف بالكثير من التحديات والعقبات: 1. عمق العداء التاريخي: عقود من الصراع خلقت جداراً من عدم الثقة يصعب اختراقه. 2. الوضع الداخلي السوري: سوريا لا تزال تعاني من آثار الحرب، وانقسامات داخلية، وتواجد قوات أجنبية، مما يضعف موقفها التفاوضي. 3. الاستيطان الإسرائيلي في الجولان: وجود عشرات المستوطنات الإسرائيلية في الجولان يزيد من تعقيد أي انسحاب محتمل. 4. المواقف الإقليمية والدولية المتضاربة: مصالح القوى الكبرى والإقليمية ليست متطابقة، مما يجعل التوصل إلى إجماع أمراً صعباً. 5. التحولات السياسية في إسرائيل: الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، خاصة اليمينية منها، ترفض بشكل قاطع أي تنازل عن الجولان. 6. غياب الثقة: لا توجد ثقة بين القيادتين السورية والإسرائيلية، مما يجعل أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة صعبة للغاية.

السيناريوهات المحتملة

في ضوء هذه التعقيدات، يمكن تصور عدة سيناريوهات محتملة: 1. بقاء الوضع الراهن: وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القصير، حيث تبقى الحدود هادئة نسبياً، وتستمر الضربات الإسرائيلية المتقطعة، ويبقى الجمود الدبلوماسي قائماً. الشرط السوري قد يكون مجرد رسالة لا أكثر. 2. مفاوضات غير مباشرة بوساطة: قد تبدأ محادثات غير رسمية وغير مباشرة بوساطة روسية أو طرف آخر، لاستكشاف إمكانية التوصل إلى تفاهمات جزئية تتعلق بالحدود أو الأمن، دون المساس بوضع الجولان في البداية. 3. تصعيد محدود: قد يؤدي أي سوء فهم أو خطأ في التقدير إلى تصعيد عسكري محدود على الحدود، خاصة مع استمرار التواجد الإيراني في سوريا. 4. **تطبيع و

المراجع

إرسال تعليق

0 تعليقات