السوشيال ميديا والصحة النفسية: بين التأثير والترياق الرقمي

إعلان
السوشيال ميديا والصحة النفسية: بين التأثير والترياق الرقمي

صورة من Pexels — المصدر


السوشيال ميديا والصحة النفسية: بين التأثير والترياق الرقمي

في عالمنا المعاصر، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً لا يتجزأ من نسيج حياتنا اليومية. من فيسبوك وإنستغرام وتويتر إلى تيك توك وسناب شات، لا يكاد يمر يوم دون أن نتفاعل مع هذه المنصات بطريقة أو بأخرى. لقد غيرت السوشيال ميديا طريقة تواصلنا، تعلمنا، ترفيهنا، وحتى طريقة رؤيتنا لأنفسنا وللعالم من حولنا. ورغم الفوائد الجمة التي تقدمها، مثل ربط الناس ببعضهم البعض وتسهيل تبادل المعلومات، إلا أن هناك جانباً مظلماً لا يمكن تجاهله يتعلق بتأثيرها العميق على صحتنا النفسية. فهل نحن نستخدم هذه الأدوات بوعي، أم أنها تستخدمنا، وتدفعنا نحو دوامة من القلق والمقارنة؟ هذا ما سنستكشفه في هذا المقال، مع التركيز على مفهوم "ديتوكس السوشيال ميديا" كحل محتمل لاستعادة التوازن.

التأثيرات السلبية للسوشيال ميديا على الصحة النفسية

يمكن أن تتجلى الآثار السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية في عدة جوانب، تتراوح بين مشاعر عابرة من الانزعاج إلى اضطرابات نفسية أكثر خطورة:

  • المقارنة الاجتماعية والغيرة: تُبرز منصات التواصل الاجتماعي عادةً أفضل جوانب حياة الآخرين، حيث يميل المستخدمون إلى عرض لحظاتهم السعيدة، إنجازاتهم، أو صورهم المثالية. هذا يخلق وهماً بالكمال لدى الآخرين، ويقود المستخدمين إلى مقارنة حياتهم غير المثالية بما يرونه من "حياة مثالية" على الشاشة. هذه المقارنة المستمرة يمكن أن تؤدي إلى شعور بالنقص، تدني احترام الذات، الغيرة، وحتى الاكتئاب، خاصة بين الشباب والمراهقين الذين تتشكل هويتهم.

  • القلق والاكتئاب: ترتبط كثرة استخدام السوشيال ميديا بزيادة خطر الإصابة بالقلق والاكتئاب. يمكن أن يؤدي الخوف من تفويت الفرص (FOMO - Fear Of Missing Out) إلى شعور دائم بالتوتر والقلق من عدم المشاركة في الأحداث الاجتماعية أو عدم الاطلاع على آخر المستجدات. كما أن الشعور بالوحدة والعزلة قد يتفاقم رغم الاتصال الافتراضي المستمر، حيث يفتقر هذا الاتصال في كثير من الأحيان إلى العمق والصدق الذي توفره العلاقات الواقعية.

  • اضطرابات النوم: يُعد استخدام الأجهزة الإلكترونية قبل النوم أحد الأسباب الرئيسية لاضطرابات النوم. فالضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يعيق إنتاج هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم دورة النوم والاستيقاظ. بالإضافة إلى ذلك، فإن التصفح المستمر والتفكير في المحتوى الذي تمت مشاهدته يمكن أن يحفز الدماغ ويصعب عليه الاسترخاء، مما يؤدي إلى صعوبة في النوم أو نوم متقطع وغير مريح.

  • صورة الجسد والاضطرابات الغذائية: تُعزز السوشيال ميديا في كثير من الأحيان معايير جمال غير واقعية وغير قابلة للتحقيق، من خلال الصور المعدلة والفلاتر التي تشوه الواقع. هذا التعرض المستمر لهذه الصور يمكن أن يؤثر سلباً على صورة الجسد لدى الأفراد، ويزيد من عدم رضاهم عن مظهرهم، مما قد يؤدي إلى اضطرابات في الأكل مثل فقدان الشهية العصبي أو الشره المرضي، خاصة لدى الفتيات والنساء.

  • التنمر الإلكتروني: توفر منصات التواصل الاجتماعي بيئة للتنمر والإساءة، حيث يمكن للمتنمرين الاختباء خلف شاشاتهم ونشر التعليقات السلبية، الشائعات، أو التهديدات. يمكن أن يكون للتنمر الإلكتروني آثار مدمرة على الصحة النفسية للضحايا، بما في ذلك القلق الشديد، الاكتئاب، العزلة الاجتماعية، وفي بعض الحالات القصوى، الأفكار الانتحارية.

  • إدمان السوشيال ميديا: يمكن أن يصبح استخدام السوشيال ميديا إدماناً حقيقياً، يتميز بالرغبة الملحة في التصفح، القلق عند عدم الاتصال، وقضاء وقت أطول مما هو مخطط له على هذه المنصات. يؤثر هذا الإدمان على الأداء الأكاديمي والمهني، ويعزل الأفراد عن محيطهم الواقعي، ويزيد من مستويات التوتر العام.

لماذا يصعب الابتعاد؟ آليات الإدمان الرقمي

إذا كانت الآثار السلبية واضحة، فلماذا يجد الكثيرون صعوبة بالغة في الابتعاد عن هذه المنصات؟ تكمن الإجابة في آليات نفسية وعصبية معقدة:

  • نظام المكافأة في الدماغ: صُممت تطبيقات السوشيال ميديا لتحفيز نظام المكافأة في الدماغ. فكل إشعار، إعجاب، تعليق، أو مشاركة جديدة يطلق جرعة من الدوبامين، وهو ناقل عصبي مرتبط بالمتعة والتحفيز. هذه المكافآت المتقطعة وغير المتوقعة (لا تعلم متى سيأتيك إعجاب جديد) تجعل الدماغ في حالة ترقب مستمر، مما يعزز الرغبة في التصفح أكثر وأكثر.
  • الخوف من الانقطاع (FOMO): كما ذكرنا سابقاً، الخوف من تفويت الأحداث الاجتماعية أو الأخبار الهامة يدفع الأفراد إلى البقاء متصلين بشكل دائم، خشية أن ينقطعوا عن مجريات الأمور أو يشعروا بأنهم خارج الدائرة الاجتماعية.
  • العادة والروتين: يصبح تصفح السوشيال ميديا عادة متأصلة في الروتين اليومي، سواء عند الاستيقاظ، أثناء تناول الطعام، في أوقات الانتظار، أو قبل النوم. هذه العادات يصعب كسرها لأنها جزء لا يتجزأ من نمط الحياة.
  • الضغط الاجتماعي: يشعر بعض الأفراد بضغط اجتماعي للبقاء نشطين على السوشيال ميديا للحفاظ على صورتهم الاجتماعية أو لعدم الظهور بمظهر "المنعزل" عن الآخرين.

الترياق الرقمي: مفهوم "ديتوكس السوشيال ميديا"

في مواجهة هذه التحديات، برز مفهوم "ديتوكس السوشيال ميديا" (Social Media Detox) كترياق رقمي ضروري. ببساطة، هو فترة زمنية يمتنع فيها الفرد عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كلي أو جزئي، بهدف استعادة التوازن النفسي والعقلي، وتحسين الرفاهية العامة.

لا يهدف الديتوكس الرقمي بالضرورة إلى التخلي التام عن السوشيال ميديا إلى الأبد، بل هو فرصة لإعادة تقييم علاقتنا بها، فهم كيفية تأثيرها علينا، وتطوير عادات استخدام صحية وواعية. إنه أشبه بإعادة ضبط النظام (Reset) يمنح العقل والجسد استراحة من التحفيز الزائد والمعلومات المتدفقة باستمرار.

كيف تقوم بديتوكس السوشيال ميديا بنجاح؟ خطوات عملية

إذا كنت تشعر أن السوشيال ميديا تسيطر على حياتك وتؤثر سلباً على صحتك النفسية، فقد حان الوقت للتفكير في ديتوكس رقمي. إليك خطوات عملية لمساعدتك على البدء:

  1. التقييم والوعي: قبل البدء، قم بتقييم استخدامك الحالي. ما هي المنصات التي تقضي عليها معظم وقتك؟ متى تستخدمها عادة؟ ما هي المشاعر التي تنتابك أثناء وبعد الاستخدام؟ هل تفتح التطبيقات بشكل لا إرادي؟ فهم أنماطك ومحفزاتك هو الخطوة الأولى للتحكم فيها.
  2. حدد أهدافك: ما الذي تأمل أن تحققه من هذا الديتوكس؟ هل هو تقليل القلق؟ تحسين النوم؟ زيادة الإنتاجية؟ قضاء وقت أطول مع الأحباء؟ تحديد أهداف واضحة سيمنحك الدافع للاستمرار.
  3. اختر مدة الديتوكس: يمكن أن يكون الديتوكس قصيراً (يوم واحد في الأسبوع، عطلة نهاية أسبوع) أو طويلاً (أسبوع، شهر، أو أكثر). ابدأ بمدة قصيرة إذا كنت جديداً في هذا المفهوم، ثم زد المدة تدريجياً.
  4. حدد طريقة الديتوكس:
    • الامتناع الكلي: حذف التطبيقات من هاتفك والابتعاد عن جميع المنصات لفترة محددة. هذه الطريقة فعالة ولكنها قد تكون صعبة في البداية.
    • الامتناع الجزئي: تحديد أوقات معينة لاستخدام السوشيال ميديا (مثلاً، 30 دقيقة يومياً في فترة محددة)، أو حظر تطبيقات معينة، أو إيقاف الإشعارات تماماً.
    • ديتوكس المحتوى: الاستمرار في استخدام المنصات ولكن إلغاء متابعة الحسابات التي تثير مشاعر سلبية أو لا تضيف قيمة، والتركيز على المحتوى الإيجابي والهادف.
  5. أوقف الإشعارات: هذه خطوة بسيطة ولكنها فعالة للغاية. إيقاف إشعارات التطبيقات يقلل من الرغبة في التحقق المستمر من الهاتف.
  6. استبدل العادات السلبية بعادات صحية: بمجرد أن تقلل من وقتك على السوشيال ميديا، ستجد وقتاً إضافياً. استغله في أنشطة تعزز صحتك النفسية:
    • القراءة: اقرأ كتباً، مقالات، أو مجلات.
    • الهوايات: مارس هوايات قديمة أو اكتشف هوايات جديدة (الرسم، العزف، الطبخ، البستنة).
    • الرياضة: مارس التمارين البدنية بانتظام.
    • التواصل الواقعي: اقضِ وقتاً ممتعاً مع العائلة والأصدقاء وجهاً لوجه.
    • التأمل واليقظة: جرب التأمل أو تمارين اليقظة لتهدئة عقلك.
    • الطبيعة: اقضِ وقتاً في الهواء الطلق، في الحدائق أو المنتزهات.
  7. أخبر من حولك: إذا كنت تخطط للامتناع الكلي، أخبر أصدقائك وعائلتك حتى يفهموا سبب غيابك عن المنصات ويتجنبوا القلق.
  8. كن صبوراً مع نفسك: قد تشعر بالملل، القلق، أو الرغبة في العودة خلال الأيام الأولى. هذه مشاعر طبيعية. كن صبوراً وتذكر أهدافك.
  9. المتابعة والعودة الواعية: بعد انتهاء فترة الديتوكس، لا تعد إلى عاداتك القديمة مباشرة. فكر في الدروس التي تعلمتها وطور استراتيجية لاستخدام السوشيال ميديا بوعي أكبر في المستقبل. قد تقرر تخصيص أوقات محددة للاستخدام، أو تقليل عدد المنصات التي تستخدمها، أو التركيز على المحتوى الإيجابي فقط.

فوائد ديتوكس السوشيال ميديا

الابتعاد عن السوشيال ميديا، حتى لفترة قصيرة، يمكن أن يحقق فوائد ملموسة للصحة النفسية والرفاهية العامة:

  • تحسين المزاج وتقليل القلق: يقلل الابتعاد عن المقارنات الاجتماعية والتنمر الإلكتروني من مستويات القلق والاكتئاب، ويساعد على الشعور بالرضا والسعادة.
  • زيادة التركيز والإنتاجية: يمنحك التخلص من المشتتات الرقمية القدرة على التركيز بشكل أفضل على المهام، مما يعزز الإنتاجية في العمل أو الدراسة.
  • تحسين جودة النوم: يساهم تقليل التعرض للضوء الأزرق قبل النوم في تحسين

المراجع

إرسال تعليق

0 تعليقات