لماذا السماء زرقاء والغروب أحمر؟ فيزياء تشتت الضوء تفسر الظاهرة

إعلان
لماذا السماء زرقاء والغروب أحمر؟ فيزياء تشتت الضوء تفسر الظاهرة

صورة من Pexels — المصدر


لماذا السماء زرقاء والغروب أحمر؟ فيزياء تشتت الضوء تفسر الظاهرة

تُعد سماء كوكبنا لوحة فنية متغيرة الألوان، تتراقص ألوانها بين الزرقة الصافية في وضح النهار، والأحمر الناري والبرتقالي الدافئ عند الغروب والشروق. هذه المشاهد الساحرة ليست مجرد مصادفات بصرية، بل هي نتاج تفاعل معقد ومدهش بين ضوء الشمس وغلافنا الجوي، تحكمه قوانين فيزيائية دقيقة تُعرف باسم "تشتت الضوء". لفهم هذه الظاهرة، دعونا نتعمق في رحلة الضوء عبر الغلاف الجوي للأرض، ونكشف الأسرار الكامنة وراء هذه الألوان الأخاذة.

الضوء المرئي والطيف الكهرومغناطيسي

قبل أن نتحدث عن تشتت الضوء، من الضروري أن نفهم طبيعة الضوء نفسه. ضوء الشمس الذي نراه أبيض اللون هو في الحقيقة مزيج من عدة ألوان، لكل منها طول موجي خاص به. يمكننا رؤية هذه الألوان منفصلة عند مرور الضوء عبر منشور زجاجي أو عند تشكل قوس قزح بعد المطر. يتكون هذا الطيف المرئي من ألوان قوس قزح المعروفة: الأحمر، البرتقالي، الأصفر، الأخضر، الأزرق، النيلي، والبنفسجي.

تُقاس أطوال الموجات بوحدات صغيرة جدًا مثل النانومتر (مليار جزء من المتر). يتميز الضوء الأحمر بأطول الأطوال الموجية ضمن الطيف المرئي (حوالي 620-750 نانومتر)، بينما يتميز الضوء الأزرق والبنفسجي بأقصر الأطوال الموجية (حوالي 380-495 نانومتر). هذا الاختلاف في الطول الموجي هو المفتاح لفهم كيف يتفاعل الضوء مع الغلاف الجوي، وبالتالي تحديد اللون الذي نراه في السماء.

الغلاف الجوي للأرض: مكوناته ودوره

الغلاف الجوي للأرض هو طبقة من الغازات تحيط بكوكبنا، وهو ضروري للحياة كما نعرفها. يتكون بشكل أساسي من غاز النيتروجين (حوالي 78%) وغاز الأكسجين (حوالي 21%)، بالإضافة إلى كميات ضئيلة من غازات أخرى مثل الأرجون وثاني أكسيد الكربون وبخار الماء، وجزيئات صغيرة صلبة وسائلة مثل الغبار وحبوب اللقاح وقطرات الماء.

هذه الجزيئات، بغض النظر عن حجمها، هي التي تتفاعل مع ضوء الشمس الساقط عليها. عندما يمر شعاع ضوئي عبر الغلاف الجوي، فإنه لا يمر بخط مستقيم دائمًا. بدلاً من ذلك، يتفاعل مع هذه الجزيئات، مما يؤدي إلى امتصاص الضوء ثم إعادة إشعاعه في اتجاهات مختلفة. هذه العملية هي ما نسميه "تشتت الضوء". تعتمد كيفية تشتت الضوء على عاملين رئيسيين: الطول الموجي للضوء وحجم الجزيئات التي يصطدم بها.

تشتت رايلي: مفتاح اللون الأزرق

السبب الرئيسي لزرقة السماء يكمن في ظاهرة فيزيائية تُعرف باسم "تشتت رايلي" (Rayleigh Scattering)، نسبةً إلى العالم البريطاني اللورد رايلي الذي شرحها في أواخر القرن التاسع عشر. يحدث تشتت رايلي عندما يصطدم الضوء بجزيئات أصغر بكثير من طوله الموجي.

في غلافنا الجوي، تكون جزيئات النيتروجين والأكسجين صغيرة جدًا مقارنةً بأطوال موجات الضوء المرئي. وفقًا لقوانين تشتت رايلي، فإن هذه الجزيئات تشتت الأطوال الموجية القصيرة (مثل الضوء الأزرق والبنفسجي) بشكل أكثر فعالية بكثير من الأطوال الموجية الطويلة (مثل الضوء الأحمر والبرتقالي). في الواقع، يتناسب التشتت عكسيًا مع الأس الرابع للطول الموجي، مما يعني أن الضوء الأزرق يتشتت حوالي 10 أضعاف الضوء الأحمر!

عندما يصل ضوء الشمس إلى الغلاف الجوي، يتشتت الضوء الأزرق والبنفسجي في جميع الاتجاهات بواسطة جزيئات الهواء الصغيرة. هذا الضوء الأزرق المتشتت هو ما نراه قادمًا من جميع أنحاء السماء، مما يمنحها لونها الأزرق المميز.

لماذا لا نرى السماء بنفسجية؟

إذا كان الضوء البنفسجي يمتلك أقصر الأطوال الموجية ويتشتت أكثر من الأزرق، فلماذا لا تبدو السماء بنفسجية؟ هناك عدة أسباب لذلك: 1. حساسية العين البشرية: عيوننا ليست حساسة للضوء البنفسجي بنفس قدر حساسيتها للضوء الأزرق. نحن نرى اللون الأزرق بشكل أكثر وضوحًا. 2. امتصاص الغلاف الجوي: يتم امتصاص بعض الضوء البنفسجي ذي الطول الموجي الأقصر في الطبقات العليا من الغلاف الجوي. 3. تشتت إضافي: يتشتت الضوء البنفسجي بشكل كبير جدًا لدرجة أنه يتشتت بعيدًا عن خط رؤيتنا قبل أن يصل إلينا بكميات كافية لتغيير اللون الأزرق المهيمن.

لذلك، على الرغم من أن الضوء البنفسجي يتشتت بشكل أكبر، فإن مزيج الألوان المتشتتة التي تصل إلى أعيننا، بالإضافة إلى كيفية معالجة أدمغتنا لها، يجعل السماء تبدو زرقاء.

ألوان الغروب والشروق: رحلة الضوء الطويلة

إذا كانت السماء زرقاء في منتصف النهار، فلماذا تتغير ألوانها لتصبح حمراء وبرتقالية عند الشروق والغروب؟ الإجابة تكمن في المسافة التي يقطعها ضوء الشمس عبر الغلاف الجوي.

في منتصف النهار، تكون الشمس في أعلى نقطة في السماء، وبالتالي يقطع ضوءها أقصر مسافة ممكنة عبر الغلاف الجوي للوصول إلى أعيننا. خلال هذه المسافة القصيرة، يتم تشتيت جزء كبير من الضوء الأزرق والبنفسجي، تاركًا الضوء الأبيض الذي نراه.

أما عند الشروق والغروب، تكون الشمس قريبة من الأفق. هذا يعني أن أشعة الشمس يجب أن تخترق طبقة سميكة جدًا من الغلاف الجوي قبل أن تصل إلينا. خلال هذه الرحلة الطويلة، يتم تشتيت معظم الضوء الأزرق والبنفسجي (والأخضر إلى حد ما) بشكل متكرر وبعيدًا عن خط رؤيتنا. كلما زادت المسافة التي يقطعها الضوء، زاد تشتت الأطوال الموجية القصيرة.

الضوء الوحيد الذي يتمكن من اختراق هذه الطبقة السميكة من الغلاف الجوي والوصول إلى أعيننا مباشرة هو الضوء ذو الأطوال الموجية الطويلة، مثل الأحمر والبرتقالي والأصفر. هذه الألوان هي الأقل تشتتًا، ولذلك تهيمن على المشهد عند الشروق والغروب، وتمنح السماء تلك الألوان الدافئة والدرامية التي نراها.

عوامل أخرى تؤثر على ألوان السماء

بينما يُعد تشتت رايلي هو التفسير الأساسي لألوان السماء، هناك عوامل أخرى يمكن أن تؤثر على شدة ونوعية هذه الألوان:

  1. الجزيئات الكبيرة (تشتت مي): بالإضافة إلى جزيئات الهواء الصغيرة، يحتوي الغلاف الجوي أيضًا على جزيئات أكبر حجمًا مثل الغبار وحبوب اللقاح وقطرات الماء الكبيرة. هذه الجزيئات تسبب نوعًا آخر من التشتت يُعرف باسم "تشتت مي" (Mie Scattering). على عكس تشتت رايلي، فإن تشتت مي لا يعتمد بشكل كبير على الطول الموجي، بل يميل إلى تشتيت جميع الألوان بالتساوي.
    • الغيوم: تتكون الغيوم من قطرات ماء صغيرة أو بلورات ثلجية، وهي أكبر بكثير من جزيئات الهواء. هذه القطرات تشتت جميع ألوان الضوء بالتساوي، وهذا هو السبب في أن الغيوم تبدو بيضاء أو رمادية.
    • التلوث والرماد البركاني: يمكن أن تزيد الجسيمات الدقيقة الناتجة عن التلوث أو الانفجارات البركانية من تشتت الضوء، خاصة عند الغروب. يمكن لهذه الجزيئات أن تزيد من كثافة الألوان الحمراء والبرتقالية، أو قد تؤدي إلى ظهور ألوان غير عادية في السماء. فمثلاً، يمكن أن تزيد من كمية الجسيمات التي تشتت الضوء الأحمر والبرتقالي بشكل فعال، مما ينتج عنه غروب شمس أكثر إثارة.
  2. بخار الماء: يمكن أن يؤثر محتوى بخار الماء في الغلاف الجوي على وضوح وشدة الألوان. الرطوبة العالية يمكن أن تجعل الألوان تبدو أكثر بهتانًا، بينما الأجواء الجافة والنقية غالبًا ما تنتج ألوانًا أكثر حيوية.

تطبيقات وفهم الظاهرة

فهم فيزياء تشتت الضوء لا يقتصر على تفسير جمال السماء فحسب، بل له تطبيقات عملية في مجالات متعددة:

  • الأرصاد الجوية: يساعد في فهم كيفية تفاعل الضوء مع الغلاف الجوي وتتبع الظواهر الجوية.
  • الاستشعار عن بعد: تستخدم الأقمار الصناعية والطائرات هذه المبادئ لتحليل مكونات الغلاف الجوي وتلوث الهواء.
  • التصوير الفوتوغرافي والفن: يستخدم المصورون والفنانون فهمهم لألوان السماء لإنشاء أعمال فنية مذهلة تعكس الواقع بدقة.
  • سلامة الطيران: يؤخذ تشتت الضوء في الاعتبار عند تصميم أنظمة الإضاءة للمطارات والطائرات لضمان الرؤية الواضحة.

خاتمة

إن جمال السماء الزرقاء في وضح النهار وسحر الألوان النارية عند الشروق والغروب هو تذكير يومي بقوة وجمال الفيزياء. إنها ليست مجرد ألوان عشوائية، بل هي شهادة على التفاعل الدقيق بين ضوء الشمس وجزيئات غلافنا الجوي. من خلال فهم مبادئ تشتت رايلي وتشتت مي، نتمكن من كشف الستار عن أحد أكثر الظواهر الطبيعية إبهارًا، ونزداد تقديرًا للعالم المادي الذي يحيط بنا. في المرة القادمة التي تنظر فيها إلى السماء، تذكر أنك تشهد عرضًا فيزيائيًا مذهلاً يتكشف فوق رأسك مباشرة، لوحة فنية لا يتقنها إلا الكون نفسه.

المراجع

  1. NASA Science - Why Is the Sky Blue? [المصدر](https://spaceplace.nasa.gov/blue-sky/en/)
  2. Scientific American - Why is the sky blue? [المصدر](https://www.scientificamerican.com/article/why-is-the-sky-blue/)
  3. HyperPhysics - Rayleigh Scattering [المصدر](http://hyperphysics.phy-astr.gsu.edu/hbase/atmos/blusky.html)
  4. National Geographic - Why Is the Sky Blue? [المصدر](https://www.nationalgeographic.com/science/article/why-is-the-sky-blue)

إرسال تعليق

0 تعليقات