صورة من Pexels — المصدر
«الدفاع السورية» تعلن تمديد مهلة وقف إطلاق النار مع «قسد»: خطوة نحو التهدئة أم هدنة هشة؟
شهدت الساحة السورية، التي طالما كانت مرتعًا للنزاعات والتقلبات، تطورًا لافتًا في الآونة الأخيرة تمثل في إعلان وزارة الدفاع السورية عن تمديد مهلة وقف إطلاق النار مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد). هذا الإعلان، الذي نقلته سكاي نيوز عربية وغيرها من وسائل الإعلام، يلقي بظلاله على مشهد معقد تتداخل فيه المصالح المحلية والإقليمية والدولية، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول دلالاته الحقيقية، وما إذا كان يمثل خطوة جادة نحو التهدئة المستدامة أم مجرد هدنة هشة قابلة للانهيار في أي لحظة. إن فهم هذا التطور يتطلب الغوص في خلفيات الصراع، ودوافع الأطراف المعنية، والتحديات التي تواجه أي مسعى نحو السلام في بلد مزقته الحرب لأكثر من عقد من الزمان.
خلفية الصراع السوري وتشكيل «قسد»
لأكثر من عقد من الزمان، يعيش السوريون تحت وطأة صراع متعدد الأوجه بدأ في عام 2011 كحركة احتجاجات شعبية سرعان ما تحولت إلى حرب أهلية مدمرة، اجتذبت إليها قوى إقليمية ودولية. تفككت الدولة المركزية، وبرزت فصائل مسلحة متعددة، كل منها يسيطر على جزء من الجغرافيا السورية بدعم خارجي متفاوت. في هذا السياق المعقد، برزت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كلاعب رئيسي على الساحة الشمالية والشرقية من سوريا.
تأسست «قسد» في أكتوبر 2015 بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، وشكلت تحالفًا يضم فصائل عربية وسريانية وآشورية وتركمانية، لكن المكون الكردي ممثلًا بوحدات حماية الشعب (YPG) كان له الثقل الأكبر والأكثر تنظيمًا. كان الهدف المعلن من تشكيلها هو محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وقد نجحت «قسد» بالفعل في تحقيق انتصارات كبيرة ضد التنظيم المتطرف، أبرزها تحرير مدينة الرقة، عاصمة خلافة داعش المزعومة، بدعم جوي وبري أمريكي مكثف.
سيطرت «قسد» على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا، غنية بالموارد النفطية والزراعية، وأقامت إدارة ذاتية في تلك المناطق. هذا الوضع خلق ديناميكية معقدة مع الحكومة السورية في دمشق، التي تعتبر «قسد» قوة انفصالية مدعومة من الخارج، بينما ترى «قسد» في نفسها قوة وطنية تسعى لضمان حقوق مكوناتها وتحقيق اللامركزية. العلاقة بين الطرفين تراوحت بين التوتر والاشتباكات المتقطعة، وبين فترات من التنسيق الضمني أو التفاوض غير المباشر، خاصة في مواجهة التهديدات المشتركة أو المصالح المتقاطعة. غالبًا ما كانت روسيا تلعب دور الوسيط بين دمشق و«قسد»، سعيًا منها لتقريب وجهات النظر والحد من النفوذ الأمريكي في المنطقة.
الهدنة الأولية ودوافعها
لم تكن الهدنة الأخيرة التي أعلنت عنها وزارة الدفاع السورية مع «قسد» هي الأولى من نوعها، لكنها جاءت في سياق تصاعد التوترات والاشتباكات بين الطرفين في بعض المناطق، خاصة في محيط مناطق التماس. الهدنة الأولية، التي سبقت إعلان التمديد، جاءت على الأرجح نتيجة لعدة دوافع وحسابات استراتيجية من قبل الطرفين ومن قبل الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوري:
- تخفيف التوترات وتجنب التصعيد: كانت الاشتباكات الأخيرة قد أدت إلى سقوط ضحايا وتصعيد في الخطاب، مما يهدد بفتح جبهات جديدة لا يرغب أي من الطرفين في تحمل تبعاتها في الوقت الراهن. الحكومة السورية، رغم سعيها لاستعادة السيطرة الكاملة على أراضيها، تواجه تحديات اقتصادية وعسكرية ضخمة، ولا ترغب في تشتيت جهودها في مواجهة مع «قسد» قد تستنزف مواردها وتصرف الانتباه عن أولوياتها الأخرى.
- الضغط الإقليمي والدولي: غالبًا ما تلعب روسيا دورًا محوريًا في تهدئة الأوضاع بين دمشق و«قسد». فموسكو تسعى للحفاظ على استقرار نسبي في سوريا، وتجنب أي تصعيد قد يهدد مصالحها أو يعقد جهودها السياسية. كما أن الولايات المتحدة، التي تدعم «قسد»، لديها مصلحة في استقرار مناطق سيطرتها لتجنب عودة داعش ولحماية حلفائها.
- الاعتبارات الإنسانية: أي تصعيد عسكري يؤدي بالضرورة إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ونزوح المدنيين، وتدمير البنى التحتية، وهو ما يزيد من الضغوط على جميع الأطراف.
- التركيز على تهديدات أخرى: قد يكون لدى الطرفين مصلحة في توجيه الموارد والجهود نحو تهديدات أخرى، مثل فلول تنظيم داعش التي لا تزال تنشط في بعض المناطق الصحراوية، أو مواجهة التهديدات التركية المستمرة التي تستهدف مناطق سيطرة «قسد» وتطال أحيانًا مناطق قريبة من نفوذ النظام.
- باب للحوار المستقبلي: قد تكون الهدنة فرصة لالتقاط الأنفاس وربما فتح قنوات اتصال غير مباشرة أو مباشرة لبحث قضايا عالقة، حتى لو كانت هذه القنوات محدودة ومحصورة في الجوانب الأمنية والإنسانية في البداية.
تمديد الهدنة: الدلالات والدوافع المستمرة
إن إعلان وزارة الدفاع السورية عن تمديد مهلة وقف إطلاق النار يحمل دلالات أعمق من مجرد هدنة مؤقتة، ويشير إلى وجود رغبة، وإن كانت حذرة، لدى الطرفين في الحفاظ على هذا الاستقرار النسبي. هذا التمديد يعكس على الأرجح أن الفترة الأولية من الهدنة حققت بعض أهدافها المتمثلة في خفض منسوب العنف وتجنب التصعيد الكبير.
من جانب الحكومة السورية: * ترسيخ السيادة تدريجيًا: قد ترى دمشق في تمديد الهدنة فرصة لإعادة تأكيد وجودها وسلطتها بشكل غير مباشر في مناطق «قسد» عبر آليات التنسيق، وربما تمهيدًا لمفاوضات مستقبلية حول دمج هذه المناطق تحت سلطتها الكاملة، مع تقديم بعض التنازلات الشكلية أو الإدارية لـ«قسد». * تجنب مواجهة مكلفة: لا تزال الحكومة السورية تواجه تحديات اقتصادية خانقة وعقوبات دولية، مما يجعل أي مواجهة عسكرية واسعة النطاق مكلفة للغاية وغير مرغوبة في الوقت الحالي. تمديد الهدنة يوفر لها مساحة للتركيز على التعافي الاقتصادي وجهود إعادة الإعمار، وإن كانت محدودة. * التعامل مع الوجود التركي: قد يكون تمديد الهدنة جزءًا من استراتيجية أوسع لمواجهة الوجود التركي في شمال سوريا. ففي ظل التهديدات التركية المتكررة باجتياحات جديدة، قد تجد دمشق و«قسد» نفسيهما مضطرتين للتنسيق أو على الأقل تجنب الصراع فيما بينهما للتعامل مع هذا التهديد الخارجي.
من جانب قوات سوريا الديمقراطية (قسد): * الحفاظ على الإدارة الذاتية: تمديد الهدنة يمنح «قسد» فرصة للاستمرار في إدارة مناطقها والحفاظ على مستوى معين من الاستقلالية، بعيدًا عن الضغط العسكري المباشر من دمشق. * تثبيت الوجود الأمريكي: بقاء الهدنة يساعد في استقرار المنطقة التي يتواجد فيها القوات الأمريكية، وهو أمر حيوي بالنسبة لـ«قسد» التي تعتمد على الدعم الأمريكي سياسيًا وعسكريًا. * التركيز على الأمن الداخلي: «قسد» لا تزال تواجه تحديات أمنية داخلية، بما في ذلك فلول داعش وخلاياها النائمة، بالإضافة إلى التوترات العشائرية في بعض المناطق. تمديد الهدنة يسمح لها بالتركيز على هذه التحديات دون تشتيت جهودها بمواجهة النظام.
التحديات والآفاق المستقبلية
على الرغم من الدلالات الإيجابية لتمديد الهدنة، إلا أن الطريق نحو سلام مستدام في سوريا لا يزال محفوفًا بالتحديات الجسيمة.
التحديات: * غياب الحل السياسي الشامل: الهدنة هي مجرد إجراء عسكري للحد من الاشتباكات، لكنها لا تعالج جذور الصراع أو الخلافات السياسية العميقة حول مستقبل سوريا وشكل الحكم فيها، ومصير الإدارة الذاتية لـ«قسد». * تضارب مصالح الفاعلين الدوليين: الولايات المتحدة تدعم «قسد»، بينما روسيا تدعم الحكومة السورية، وتركيا تعتبر «قسد» منظمة إرهابية وتهدد باجتياحات عسكرية. هذه المصالح المتضاربة تجعل من الصعب التوصل إلى اتفاق شامل يرضي جميع الأطراف. * السيطرة على الموارد: مناطق سيطرة «قسد» غنية بالنفط والزراعة، وهي موارد حيوية تحتاجها الحكومة السورية بشدة. الخلاف حول إدارة هذه الموارد وتقاسمها يمثل عقبة كبرى. * مصير «قسد» وسلاحها: تصر دمشق على ضرورة حل جميع الفصائل المسلحة ودمجها في الجيش السوري النظامي، وهو ما ترفضه «قسد» التي ترى في قواتها ضمانة لأمنها وحقوق مكوناتها. * الثقة المفقودة: سنوات من الصراع خلقت جدارًا من انعدام الثقة بين الأطراف، مما يجعل أي مفاوضات صعبة وطويلة.
الآفاق المستقبلية: على الرغم من التحديات، يمكن لتمديد الهدنة أن يفتح آفاقًا محدودة لكنها مهمة: * تثبيت مناطق التهدئة: قد تتحول الهدنة إلى حالة دائمة من عدم الاشتباك في بعض المناطق، مما يوفر بيئة أكثر استقرارًا للمدنيين. * تفعيل قنوات الاتصال: قد تؤدي الهدنة إلى تفعيل قنوات اتصال وتنسيق أمني بين الطرفين لمواجهة تهديدات مشتركة، مثل مكافحة الإرهاب أو إدارة المعابر. * تهيئة الأجواء للحوار: إذا استمرت الهدنة، فقد تخلق أجواء أكثر ملاءمة لحوار سياسي جاد تحت رعاية دولية، يهدف إلى إيجاد حلول وسط للقضايا العالقة، وإن كان ذلك سيستغرق وقتًا طويلاً ويتطلب تنازلات من جميع الأطراف.
الربط بالسياق الإقليمي
لا يمكن فصل التطورات في سوريا عن السياق الإقليمي الأوسع، فسوريا لطالما كانت بؤرة تتفاعل فيها أزمات المنطقة. تمديد ال
0 تعليقات