صورة من Unsplash — Salem Ochidi
نيجيريا تُكسر الصمت: أول تعليق أفريقي رسمي على "الضربة الأميركية" وتداعياتها الإقليمية
في خضم التوترات المتصاعدة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً بعد سلسلة الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد أهداف مرتبطة بفصائل مدعومة من إيران في العراق وسوريا مطلع فبراير 2024، برز تعليق رسمي من دولة نيجيريا الأفريقية كصوت دبلوماسي لافت من خارج الدائرة المباشرة للصراع. لم يكن هذا التعليق مجرد بيان عابر، بل حمل دلالات عميقة حول النظرة الأفريقية للتدخلات العسكرية الأجنبية، وأهمية احترام السيادة الوطنية، والدعوة إلى التهدئة في منطقة حيوية تتأثر بها المصالح العالمية.
تأتي هذه الخطوة النيجيرية لتسلط الضوء على تزايد اهتمام الدول الأفريقية، وخاصة الكبرى منها، بالقضايا الجيوسياسية التي تتجاوز حدود القارة، مؤكدة على دورها المتنامي في صياغة الرأي العام الدولي والمساهمة في استقرار النظام العالمي. فما هي تفاصيل هذا الموقف النيجيري؟ وما هي الدوافع الكامنة وراءه؟ وكيف يتقاطع هذا الصوت الأفريقي مع سياق المنطقة العربية الملتهبة؟
"الضربة الأميركية" وسياقها الإقليمي الملتهب
شهدت الأيام الأولى من فبراير 2024 تصعيداً عسكرياً لافتاً في منطقة الشرق الأوسط، تمثل في شن الولايات المتحدة الأمريكية ضربات جوية واسعة النطاق ضد أكثر من 85 هدفاً في العراق وسوريا. وصفت واشنطن هذه الضربات بأنها "رد حاسم" على الهجوم بطائرة مسيرة الذي استهدف قاعدة أمريكية في الأردن، وأسفر عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين وإصابة العشرات. وقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن الأهداف شملت مراكز قيادة وتحكم، ومخازن أسلحة وذخيرة، ومواقع تدريب مرتبطة بفصائل مدعومة من إيران، والتي تتهمها الولايات المتحدة بالوقوف وراء الهجمات المتكررة على قواتها ومصالحها في المنطقة.
أثارت هذه الضربات ردود فعل غاضبة ومتباينة على المستويين الإقليمي والدولي. ففي العراق، أدانت الحكومة بشدة الضربات، واعتبرتها انتهاكاً صارخاً لسيادتها الوطنية، مؤكدة أنها تقوض جهود استقرار البلاد وتعيق الحرب ضد الإرهاب. كما أعلنت سوريا عن سقوط ضحايا مدنيين وعسكريين جراء الضربات على أراضيها، ووصفتها بأنها "عدوان سافر". بينما حذرت إيران من أن هذه الأعمال "ستزيد من التوترات وعدم الاستقرار في المنطقة".
جاء هذا التصعيد في وقت كانت فيه المنطقة تعاني أصلاً من تداعيات الحرب في غزة، وتزايد حدة التوترات في البحر الأحمر، والاشتباكات المتفرقة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. كل هذه العوامل رسمت مشهداً إقليمياً بالغ التعقيد، يهدد بالانزلاق نحو مواجهة أوسع نطاقاً، وهو ما أثار قلق العديد من الدول حول العالم، ومن بينها نيجيريا.
موقف نيجيريا: دعوة للتهدئة واحترام السيادة
في خطوة لافتة، سارعت نيجيريا، عبر وزارة خارجيتها، إلى إصدار بيان رسمي كان بمثابة أول تعليق أفريقي بارز على الضربات الأميركية. عكس البيان النيجيري موقفاً دبلوماسياً حذراً ومسؤولاً، ركز على عدة محاور رئيسية:
أولاً، التعبير عن القلق العميق: أعربت نيجيريا عن قلقها البالغ إزاء التصعيد الأخير في الشرق الأوسط، وما قد يترتب عليه من تداعيات وخيمة على الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين. هذا القلق ليس مجرد تعبير دبلوماسي روتيني، بل يعكس إدراكاً نيجيرياً بأن عدم الاستقرار في أي منطقة حيوية يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على بقية العالم، بما في ذلك القارة الأفريقية.
ثانياً، الدعوة إلى ضبط النفس والتهدئة: شدد البيان على ضرورة تحلي جميع الأطراف بضبط النفس وتجنب أي خطوات من شأنها أن تزيد من حدة التوتر. هذه الدعوة تأتي من منظور دولة تؤمن بالحلول الدبلوماسية والتفاوضية لفض النزاعات، وتعارض اللجوء إلى القوة كخيار أول.
ثالثاً، التأكيد على احترام السيادة الوطنية: أكدت نيجيريا على أهمية احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، مشددة على أن أي عمل عسكري يجب أن يتم بما يتوافق مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. هذا المبدأ هو حجر الزاوية في السياسة الخارجية النيجيرية، وكثير من الدول الأفريقية، التي عانت تاريخياً من التدخلات الخارجية وتسعى لترسيخ استقلالها وسيادتها.
رابعاً، الحث على الحلول السلمية: دعت أبوجا الأطراف المعنية إلى الانخراط في حوار بناء لإيجاد حلول سلمية للنزاعات، مؤكدة على أن التصعيد العسكري لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمات الإنسانية وزعزعة الاستقرار.
لم يأتِ الموقف النيجيري ليُدين طرفاً بعينه بشكل مباشر، بل اتسم بالحياد الإيجابي الذي يهدف إلى الدفع نحو التهدئة والحفاظ على أسس النظام الدولي القائم على القانون. وهو ما يعكس نهج نيجيريا كقوة صاعدة تسعى للعب دور بناء في الساحة الدولية.
دوافع نيجيريا ومصالحها في المنطقة
قد يتساءل البعض عن سبب اهتمام نيجيريا، وهي دولة تقع في غرب أفريقيا، بالصراع الدائر في الشرق الأوسط. لكن التدقيق في دوافع أبوجا يكشف عن عدة عوامل استراتيجية ومبدئية:
-
المكانة الإقليمية والدولية: نيجيريا هي أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان وأكبر اقتصاد في القارة. تطمح نيجيريا إلى أن تكون عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، وتسعى باستمرار لتأكيد دورها كقوة أفريقية رائدة وفاعل دولي مسؤول. وبالتالي، فإن اتخاذ موقف واضح بشأن القضايا الجيوسياسية الكبرى يعزز من مصداقيتها ومكانتها على الساحة العالمية.
-
المصالح الاقتصادية: على الرغم من البعد الجغرافي، فإن الشرق الأوسط منطقة حيوية للاقتصاد العالمي، وخاصة أسواق النفط والغاز. نيجيريا، كمنتج رئيسي للنفط، تتأثر بشكل مباشر بتقلبات أسعار النفط العالمية التي غالباً ما تتأثر بالاضطرابات في الشرق الأوسط. أي تصعيد كبير يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، مما قد يكون له تأثيرات مختلطة على نيجيريا (زيادة الإيرادات ولكن أيضاً زيادة تكلفة الواردات وتضخم محلي). كما أن زعزعة استقرار الممرات الملاحية مثل قناة السويس والبحر الأحمر يؤثر على سلاسل الإمداد العالمية والتجارة الدولية، والتي تعتمد عليها نيجيريا.
-
المبادئ الدبلوماسية الأفريقية: تلتزم نيجيريا، شأنها شأن العديد من الدول الأفريقية، بمبادئ عدم الانحياز، واحترام السيادة الوطنية، وحل النزاعات بالطرق السلمية. هذه المبادئ متجذرة في تاريخ القارة الأفريقية التي ناضلت طويلاً ضد الاستعمار والتدخلات الخارجية. لذا، فإن أي انتهاك لهذه المبادئ في أي مكان من العالم يثير قلق الدول الأفريقية.
-
التأثير على الجاليات: تضم نيجيريا جاليات كبيرة في العديد من دول الشرق الأوسط، وتعد المملكة العربية السعودية وجهة رئيسية للحجاج النيجيريين. أي تصعيد أو عدم استقرار في المنطقة يمكن أن يعرض هذه الجاليات للخطر ويؤثر على حرية الحركة.
-
مكافحة الإرهاب والتطرف: نيجيريا نفسها تواجه تحديات أمنية كبيرة، بما في ذلك جماعات إرهابية مثل "بوكو حرام". وتدرك أبوجا أن عدم الاستقرار في أي منطقة يمكن أن يوفر بيئة خصبة لنمو التطرف والإرهاب، والذي يمكن أن ينتشر عبر الحدود والقارات. وبالتالي، فإن الدعوة إلى الاستقرار العالمي هي جزء من استراتيجية أمنية أوسع.
تداعيات الموقف النيجيري وربطه بسياق المنطقة العربية
يُعد الموقف النيجيري مهماً لعدة أسباب، ليس فقط على الصعيد الأفريقي، بل في سياق المنطقة العربية أيضاً:
-
صوت أفريقي مؤثر: نيجيريا، بوزنها الديموغرافي والاقتصادي والدبلوماسي، تمثل صوتاً أفريقياً مؤثراً. تعليقها الرسمي يضفي بعداً دولياً إضافياً على النقاش حول الضربات الأميركية، ويظهر أن القلق من التصعيد ليس محصوراً بالمنطقة المتضررة أو القوى الكبرى، بل يمتد ليشمل دولاً رئيسية في القارات الأخرى.
-
تأكيد مبادئ القانون الدولي: من خلال التشديد على احترام السيادة الوطنية والقانون الدولي، تساهم نيجيريا في تعزيز هذه المبادئ التي غالباً ما تتعرض للانتهاك في مناطق الصراع. هذا التأكيد يتقاطع مع مواقف العديد من الدول العربية التي أدانت الضربات الأميركية واعتبرتها انتهاكاً لسيادتها (مثل العراق وسوريا) أو أعربت عن قلقها من تداعياتها.
-
دعوة للتهدئة تحظى بترحيب عربي: العديد من الدول العربية، خاصة تلك التي تسعى إلى التهدئة وتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية أوسع، يمكن أن تنظر إلى الموقف النيجيري كدعم دولي لمساعيها. فالدعوات لضبط النفس والحوار تتوافق مع رغبة جزء كبير من الرأي العام والقيادات في المنطقة العربية في إبعاد شبح الحرب الشاملة.
-
تعزيز التعاون جنوب-جنوب: يعكس هذا الموقف تزايد الوعي بأهمية التعاون والتنسيق بين دول الجنوب (أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية) في القضايا الدولية. فنيجيريا، كقوة صاعدة، تسعى لتعزيز صوت الدول النامية في المحافل الدولية، وهذا التعليق يتماشى مع هذا التوجه.
-
**تأثير على ديناميكيات المنطقة العربية
0 تعليقات