صورة من Pexels — المصدر
تفاصيل جهود «اللحظة الحاسمة» لإنهاء حرب أوكرانيا: بين الدبلوماسية الخفية والمواقف المعلنة
منذ اندلاعها في فبراير 2022، تحولت حرب أوكرانيا إلى صراع استنزاف طويل الأمد، مخلفة وراءها دماراً هائلاً، وأزمة إنسانية متفاقمة، وتداعيات اقتصادية وسياسية عالمية غير مسبوقة. ومع دخول الحرب عامها الثالث، تتزايد الأصوات المطالبة بإنهاء هذا الصراع المدمر، وتتصاعد الجهود الدبلوماسية، العلنية منها والخفية، في محاولة للوصول إلى ما يمكن تسميته "اللحظة الحاسمة" التي قد تمهد الطريق نحو تسوية سلمية. هذه اللحظة، التي طال انتظارها، لا تمثل مجرد توقف لإطلاق النار، بل تشير إلى مجموعة من الظروف السياسية والعسكرية والدبلوماسية التي قد تدفع الأطراف المتحاربة والجهات الفاعلة الدولية إلى طاولة المفاوضات بجدية أكبر، بحثاً عن حل مستدام. يتناول هذا المقال تفاصيل هذه الجهود، التحديات التي تواجهها، والدور المتنامي لبعض القوى الإقليمية والعربية في هذا المسعى المعقد.
«اللحظة الحاسمة»: تعريفها ودلالاتها في سياق الصراع الأوكراني
مصطلح "اللحظة الحاسمة" في سياق حرب أوكرانيا لا يعني بالضرورة انتصاراً عسكرياً حاسماً لأحد الطرفين، بل يشير في الغالب إلى نقطة تحول قد تنجم عن عدة عوامل متداخلة. قد تكون هذه النقطة توازناً عسكرياً على الأرض يدفع الأطراف إلى إدراك استحالة تحقيق النصر المطلق، أو ضغوطاً اقتصادية داخلية وخارجية لا يمكن تحملها، أو تغيراً في المزاج السياسي الدولي يدفع نحو حل دبلوماسي. بالنسبة لأوكرانيا، قد تتمثل "اللحظة الحاسمة" في ضمانات أمنية دولية وخطوات نحو استعادة سيادتها الإقليمية. أما بالنسبة لروسيا، فقد تكون مرتبطة بتأمين مصالحها الأمنية ومعالجة مخاوفها الاستراتيجية.
الدلالة الأهم لهذه اللحظة هي أنها قد تكسر الجمود الحالي الذي يمنع أي تقدم ملموس نحو السلام. فمنذ المراحل الأولى للحرب، كانت هناك محاولات متعددة للوساطة، لكنها اصطدمت دائماً بتصلب المواقف، حيث تصر أوكرانيا على استعادة كامل أراضيها، بما في ذلك القرم والمناطق التي ضمتها روسيا، بينما ترفض موسكو التنازل عن هذه المكاسب، وتطالب بضمانات أمنية تتعلق بتوسع حلف الناتو. إن البحث عن "اللحظة الحاسمة" يعني البحث عن أرضية مشتركة جديدة، أو على الأقل، عن نافذة فرص قد تفتحها تطورات غير متوقعة.
الجهود الدبلوماسية: بين الكواليس والمنابر الدولية
لم تتوقف الجهود الدبلوماسية لإنهاء حرب أوكرانيا، وإن كانت قد اتخذت أشكالاً مختلفة، من الوساطات العلنية إلى الاتصالات السرية. كانت تركيا من أوائل الدول التي حاولت التوسط، مستضيفة جولات من المفاوضات بين الوفدين الروسي والأوكراني في الأشهر الأولى من الحرب. ورغم أن هذه المفاوضات لم تسفر عن اتفاق سلام شامل، إلا أنها مهدت الطريق لاتفاقات جزئية مثل مبادرة حبوب البحر الأسود التي أمنت تصدير ملايين الأطنان من الحبوب الأوكرانية، مما خفف من أزمة الغذاء العالمية.
تعددت الأطراف الدولية التي عرضت وساطتها أو شاركت في مبادرات السلام. قدمت الصين خطة سلام من 12 نقطة، تركز على احترام سيادة جميع الدول ووقف إطلاق النار واستئناف محادثات السلام، وإن كانت هذه الخطة قد قوبلت ببعض التحفظات من الغرب وأوكرانيا بسبب افتقارها لآلية تنفيذ واضحة وتوازنها بين الأطراف. كما سعت دول مثل البرازيل والفاتيكان إلى لعب دور الوسيط، مؤكدة على أهمية الحوار وإنهاء العنف.
في سياق البحث عن "اللحظة الحاسمة"، برزت مبادرات أحدث، منها اجتماعات دبلوماسية "خفية" أو شبه علنية جمعت مستشارين للأمن القومي من عدة دول، بما في ذلك دول عربية، لمناقشة مبادئ السلام. من أبرز هذه الاجتماعات كان ذلك الذي استضافته كوبنهاغن ثم جدة. هدفت هذه اللقاءات إلى بناء إجماع دولي أوسع حول مبادئ أساسية للسلام، بعيداً عن ضجيج المفاوضات الرسمية المباشرة بين الأطراف المتحاربة، والتي لا تزال متعثرة. وقد شاركت في هذه الاجتماعات دول لا تنتمي بالضرورة إلى المعسكر الغربي، مما يعكس رغبة في توسيع دائرة المشاركة في جهود السلام.
المواقف الدولية المتضاربة وتحديات السلام
إن التحدي الأكبر أمام أي جهد دبلوماسي هو التوفيق بين المواقف المتباينة جذرياً للأطراف الرئيسية. أوكرانيا، بدعم غربي واسع، تصر على استعادة كامل أراضيها المعترف بها دولياً، وتحميل روسيا مسؤولية الأضرار، ومحاكمة المتورطين في جرائم الحرب. ترى كييف أن أي تسوية لا تضمن هذه الشروط ستكون بمثابة مكافأة للعدوان وتشجيعاً لمزيد من التوسع.
في المقابل، تتمسك روسيا بالمناطق التي ضمتها، وتعتبرها جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وتطالب بضمانات أمنية تمنع توسع الناتو شرقاً. ترى موسكو أن العملية العسكرية كانت ضرورية لحماية مصالحها الأمنية والقومية. هذه الفجوة الهائلة في المطالب تجعل من الصعب جداً إيجاد حل وسط مقبول للطرفين.
الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تدعم أوكرانيا سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وتفرض عقوبات قاسية على روسيا. ورغم أن هذه الدول تؤكد دعمها للحل الدبلوماسي، إلا أنها تربط أي مفاوضات جدية بانسحاب روسي كامل من الأراضي الأوكرانية. هذا الدعم الغربي، وإن كان حاسماً لصمود أوكرانيا، إلا أنه يزيد أيضاً من تعقيد المشهد الدبلوماسي، حيث يصبح أي اتفاق سلام يتطلب تنازلات من أوكرانيا أمراً بالغ الصعوبة سياسياً.
دور القوى الإقليمية والعربية في البحث عن حل
في خضم هذا المشهد المعقد، برز دور بعض القوى الإقليمية والدول النامية، بما في ذلك دول عربية، كلاعبين محتملين في تسهيل الحوار. هذه الدول، التي تحافظ على علاقات مع كلا الجانبين (روسيا والغرب)، يمكن أن توفر قنوات اتصال بديلة ومنصة محايدة للمفاوضات.
المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، استضافت اجتماعاً لمستشاري الأمن القومي في جدة، بحضور ممثلين عن حوالي 40 دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا والصين والهند والبرازيل، ولكن دون مشاركة روسيا في البداية. هدفت هذه القمة إلى مناقشة "صيغة السلام" الأوكرانية التي طرحها الرئيس زيلينسكي، وبناء دعم دولي أوسع لها. وقد أكدت السعودية على أهمية الحل السياسي للأزمة، وقدمت نفسها كوسيط محايد يسعى لخفض التصعيد. يعكس هذا الدور رغبة السعودية في تعزيز مكانتها الدبلوماسية على الساحة العالمية، والاستفادة من علاقاتها المتوازنة مع القوى الكبرى. كما أن المملكة قدمت مساعدات إنسانية كبيرة لأوكرانيا، مما يعزز مصداقيتها كطرف يسعى للتخفيف من معاناة المدنيين.
الإمارات العربية المتحدة أيضاً لعبت دوراً في التوسط في تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، مما يدل على قدرتها على العمل كقناة اتصال موثوقة. العديد من الدول العربية الأخرى، وإن لم تشارك بشكل مباشر في وساطات رفيعة المستوى، إلا أنها عبرت عن قلقها من تداعيات الحرب، خاصة فيما يتعلق بالأمن الغذائي وأسعار الطاقة، وهي قضايا تؤثر بشكل مباشر على المنطقة. إن الحياد النسبي الذي تتبناه معظم الدول العربية تجاه الصراع يمنحها مساحة للمناورة الدبلوماسية، ويجعلها أطرافاً مقبولة لدى الجانبين، مما قد يكون حاسماً في أي "لحظة حاسمة" للمفاوضات.
سيناريوهات المستقبل: بين التصعيد والتسوية
تبقى سيناريوهات المستقبل لحرب أوكرانيا متعددة ومعقدة. أحد السيناريوهات هو استمرار الحرب كصراع استنزاف طويل الأمد، مع خطوط تماس ثابتة نسبياً وجهود دبلوماسية متقطعة لا تسفر عن تقدم كبير. هذا السيناريو يعني استمرار المعاناة الإ
0 تعليقات