صورة من Unsplash — Chermiti Mohamed
أقنعة الشفافية: الوجه الآخر للوضوح المزعوم
في عالم يزداد تعقيدًا وتتلاطم فيه أمواج المعلومات، أصبحت "الشفافية" كلمة سحرية، ومطلبًا أساسيًا في كل مناحي الحياة: من الحكومات والشركات إلى الأفراد على وسائل التواصل الاجتماعي. يُنظر إليها على أنها حصن الديمقراطية، وضمانة للنزاهة، وعامل بناء للثقة. لكن، هل كل ما يلمع شفاف؟ وهل كل ما يُعرض على مرأى ومسمع الجميع هو بالضرورة صادق وواضح؟ للأسف، الإجابة غالبًا ما تكون "لا". ففي خضم هذا السعي المحموم للشفافية، ظهرت "أقنعة الشفافية"؛ ممارسات تهدف إلى إعطاء انطباع بالوضوح والانفتاح، بينما تخفي في طياتها الكثير من الغموض والتلاعب.
إن أقنعة الشفافية ليست غيابًا تامًا للمعلومات، بل هي تقديم انتقائي أو سطحي لها، أو عرضها بطريقة تُعيق الفهم الحقيقي وتُضلل الرأي العام. إنها نافذة زجاجية تظهر ما يراد لها أن يظهر فقط، وتُخفي ما وراء الستار بذكاء. في هذه المقالة، سنستكشف ماهية هذه الأقنعة، وأين تتجلى، ولماذا تُستخدم، وكيف يمكننا أن نميزها ونواجهها.
ما هي أقنعة الشفافية؟
أقنعة الشفافية هي استراتيجيات تُستخدم لإظهار مستوى معين من الانفتاح والوضوح، بينما الهدف الحقيقي هو التهرب من المساءلة، أو تجميل الصورة، أو السيطرة على السرد، أو حتى تشتيت الانتباه عن قضايا أكثر أهمية. إنها ليست مجرد كذب صريح، بل هي شكل أكثر تعقيدًا ودهاءً من التضليل. يمكن أن تتخذ أشكالًا متعددة، منها:
- الشفافية الزائفة (Pseudo-Transparency): تقديم كميات هائلة من البيانات والمعلومات التي يصعب على القارئ العادي أو حتى الخبير تحليلها وفهمها، مما يؤدي إلى "إرهاق معلوماتي" يجعل البحث عن الحقائق أمرًا شاقًا ومستحيلاً عمليًا.
- الشفافية الانتقائية (Selective Transparency): الكشف عن المعلومات التي تخدم مصالح الجهة المعنية فقط، وإخفاء أو تجاهل المعلومات التي قد تضر بسمعتها أو تكشف عن ممارسات غير أخلاقية.
- الشفافية السطحية (Surface-Level Transparency): التركيز على القضايا الهامشية أو التفاصيل غير الجوهرية، بينما تُترك القضايا الأساسية والجذرية غامضة أو غير معالجة.
- الشفافية المتأخرة (Delayed Transparency): الكشف عن المعلومات بعد فوات الأوان، أي بعد أن تكون قد فقدت أهميتها أو تأثيرها، أو بعد أن تكون الجهة قد حققت أهدافها الخفية.
- الشفافية الشكلية (Formal Transparency): الامتثال للقوانين واللوائح التي تفرض الشفافية، ولكن بطريقة شكلية لا تُقدم قيمة حقيقية، مثل نشر وثائق قانونية معقدة لا يفهمها الجمهور.
يكمن الخطر في أن هذه الأقنعة تُعطي شعورًا زائفًا بالأمان والثقة، مما يجعل الجمهور أقل يقظة وأكثر عرضة للتلاعب.
أين تظهر أقنعة الشفافية؟
تتجلى أقنعة الشفافية في مجالات واسعة، من أروقة السلطة إلى الفضاء الرقمي، وفيما يلي أبرز الأمثلة:
في عالم السياسة والحوكمة
لطالما كانت الحكومات والمؤسسات السياسية ساحة خصبة لأقنعة الشفافية. فبينما تتحدث الحكومات عن "الحوكمة الرشيدة" و"الشفافية المطلقة"، نجد أن الواقع غالبًا ما يكون مختلفًا.
- التقارير الحكومية الضخمة: تصدر العديد من الهيئات الحكومية تقارير سنوية ضخمة مليئة بالأرقام والجداول والمصطلحات المعقدة. هذه التقارير، وإن كانت تُنشر علنًا، إلا أن حجمها وتعقيدها يجعل من المستحيل على المواطن العادي فهمها أو استخلاص معلومات ذات معنى منها. الهدف هنا ليس التوضيح، بل إظهار الامتثال لمبدأ الشفافية دون تقديم محتوى قابل للاستيعاب.
- ميزانيات الدول: تُنشر ميزانيات الدول غالبًا بتفاصيل دقيقة، ولكنها تُقدم بطريقة لا يمكن فهمها إلا للمختصين في الاقتصاد والمالية. تُخفى القرارات الجوهرية والتوجهات الحقيقية للإنفاق داخل بنود عامة أو مصطلحات فنية لا تُفسر، مما يجعل مساءلة الحكومة بشأن إنفاقها أمرًا صعبًا.
- الوعود الانتخابية: كثيرًا ما تُقدم الأحزاب السياسية برامج انتخابية تبدو شفافة وواضحة، لكنها غالبًا ما تكون عامة وغامضة بما يكفي لتجنب الالتزام بتفاصيل محددة، أو تكون مليئة بالوعود التي لا يمكن تحقيقها، وتُخفى آليات التنفيذ أو مصادر التمويل.
في قطاع الأعمال والشركات
تُعد الشركات أيضًا لاعبًا رئيسيًا في استخدام أقنعة الشفافية، خاصة في سعيها لبناء صورة إيجابية وجذب المستثمرين والعملاء.
- المسؤولية الاجتماعية للشركات (CSR): تُصدر العديد من الشركات الكبرى تقارير مسؤولية اجتماعية براقة، تُبرز فيها جهودها في حماية البيئة، ودعم المجتمع، وتحسين ظروف العمل. لكن هذه التقارير غالبًا ما تُركز على المبادرات الصغيرة والمنفصلة، بينما تُخفي التأثيرات البيئية السلبية الأكبر لأنشطتها الأساسية، أو ظروف العمل غير العادلة في سلاسل التوريد العالمية. إنها "تخضير" للسمعة (Greenwashing) أو "غسل اجتماعي" (Social Washing).
- شروط الخدمة وسياسات الخصوصية: عندما تُسجل في أي خدمة رقمية، يُطلب منك الموافقة على شروط الخدمة وسياسة الخصوصية. هذه الوثائق تكون عادةً طويلة جدًا، ومكتوبة بلغة قانونية معقدة، مما يدفع معظم المستخدمين إلى الموافقة عليها دون قراءتها. في الواقع، قد تتضمن هذه الشروط بنودًا تُعطي الشركات الحق في جمع كميات هائلة من بياناتك الشخصية ومشاركتها مع أطراف ثالثة، كل ذلك تحت غطاء "الشفافية" بأنك "وافقت" على ذلك.
- التقارير المالية: تُقدم الشركات تقارير مالية دورية للمستثمرين والجمهور، ولكن يمكن التلاعب بها لتبدو أفضل مما هي عليه، من خلال استخدام أساليب محاسبية معقدة أو إخفاء الديون أو الخسائر في بنود يصعب تتبعها.
في الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي
مع تزايد الاعتماد على المنصات الرقمية، ظهرت أشكال جديدة من أقنعة الشفافية التي تؤثر على حياتنا اليومية.
- المؤثرون (Influencers): يُقدم المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي حياة تبدو شفافة ومثالية، لكنها في الواقع غالبًا ما تكون منسقة بعناية فائقة، وتُخفي الجوانانب السلبية أو غير الجذابة. قد لا يُفصحون عن الإعلانات المدفوعة بشكل واضح، أو يصورون منتجات بطريقة مضللة، مما يُعطي انطباعًا بالشفافية الشخصية بينما هو ترويج تجاري خفي
0 تعليقات