فيزياء اللايقين: بوابة العوالم المتوازية

إعلان
فيزياء اللايقين: بوابة العوالم المتوازية

صورة من Unsplash — BoliviaInteligente


فيزياء اللايقين: بوابة العوالم المتوازية

لطالما سعت البشرية إلى فهم الكون من حولها، ومنذ فجر العلم، كان هذا الفهم مبنياً على قوانين واضحة ومحددة، حيث يمكن التنبؤ بمستقبل أي نظام إذا عرفت حالته الراهنة بدقة. هذا ما قدمته لنا الفيزياء الكلاسيكية، والتي نجحت في وصف حركة الكواكب، وسقوط الأجسام، وطبيعة الضوء، مقدمةً لنا عالماً يمكن التنبؤ به بدقة متناهية. لكن مع مطلع القرن العشرين، ومع الغوص في أعماق المادة واكتشاف عالم الجسيمات دون الذرية، بدأت تظهر ظواهر غريبة تتحدى كل ما نعرفه عن الواقع، ظواهر لا يمكن تفسيرها بقوانين نيوتن أو معادلات ماكسويل. هنا ولد فرع جديد من الفيزياء، ألا وهو فيزياء الكم، الذي كشف لنا عن كون غريب، محكوم بالاحتمالات، ومليء بالغموض، لدرجة أن بعض تفسيراته تقودنا إلى تصورات مذهلة عن عوالم متوازية لا حصر لها.

ما هي فيزياء الكم؟

فيزياء الكم هي الإطار النظري الذي يصف سلوك المادة والطاقة على أصغر المقاييس، أي على مستوى الذرات والجسيمات دون الذرية مثل الإلكترونات والفوتونات والكواركات. على عكس الفيزياء الكلاسيكية التي تصف العالم المرئي لنا (الماكروسكوبي)، فإن فيزياء الكم تتعامل مع عالم غير بديهي على الإطلاق (الميكروسكوبي). في هذا العالم الصغير، تختفي اليقينية وتظهر الاحتمالات، وتتلاشى الحدود الفاصلة بين الجسيمات والموجات.

أحد أبرز المفاهيم في فيزياء الكم هو "ازدواجية الموجة-الجسيم". فبينما نتصور الإلكترون كجسيم صغير يدور حول النواة، فإنه في بعض الظروف يمكن أن يتصرف كموجة منتشرة. وبالمثل، يمكن للفوتون (جسيم الضوء) أن يتصرف كموجة. هذه الازدواجية الغريبة تعني أن الجسيمات الكمومية لا تمتلك هوية ثابتة، بل تتخذ سلوكاً مختلفاً حسب طريقة رصدها أو تفاعلها مع البيئة.

مفهوم آخر جوهري هو "تكميم الطاقة". على عكس الفيزياء الكلاسيكية حيث يمكن للطاقة أن تتخذ أي قيمة، فإن فيزياء الكم تفرض أن الطاقة (وكذلك خصائص أخرى مثل الزخم الزاوي) تأتي في "حزم" أو "كمّات" منفصلة. لا يمكن للإلكترون في الذرة أن يتواجد إلا في مستويات طاقة محددة ومتقطعة، ولا يمكنه أن يتخذ قيمة بين هذه المستويات. هذا التكميم هو ما يعطي فيزياء الكم اسمها، وهو أساس فهمنا لكيفية عمل الليزر وأشباه الموصلات والعديد من التقنيات الحديثة.

مبدأ اللايقين لهايزنبرغ: قلب الغموض

في قلب الغرابة الكمومية يكمن مبدأ اللايقين لهايزنبرغ، الذي صاغه العالم الألماني فيرنر هايزنبرغ عام 1927. هذا المبدأ ليس مجرد قيود على قدرتنا على القياس، بل هو سمة أساسية من سمات الطبيعة نفسها. ببساطة، ينص المبدأ على أنه لا يمكننا معرفة أزواج معينة من الخصائص الفيزيائية لجسيم كمومي بدقة تامة في نفس الوقت. أشهر مثال على ذلك هو الموضع والزخم (الكتلة × السرعة). فكلما عرفنا موضع جسيم بدقة أكبر، قلت معرفتنا بزخمه، والعكس صحيح.

لتوضيح ذلك، تخيل أنك تحاول تحديد مكان إلكترون. الطريقة الوحيدة "لرؤية" الإلكترون هي بتسليط فوتونات (جسيمات ضوء) عليه. لكن هذه الفوتونات، حتى لو كانت ذات طاقة منخفضة، ستقوم بدفع الإلكترون وتغيير مساره وزخمه. فعملية القياس نفسها تؤثر على النظام الذي يتم قياسه بطريقة لا يمكن التنبؤ بها بدقة. الأمر ليس كأن أدواتنا غير دقيقة، بل كأن الإلكترون نفسه لا يمتلك موضعاً وزخماً محددين بدقة في نفس اللحظة قبل أن نقوم بالقياس.

تداعيات مبدأ اللايقين عميقة جداً. فهو يقضي على فكرة الكون الحتمي التي سادت في الفيزياء الكلاسيكية. فإذا لم نتمكن من معرفة الحالة الأولية لجسيم بدقة تامة، فلن نتمكن أبداً من التنبؤ بمستقبله بدقة تامة. بدلاً من اليقين، تفرض فيزياء الكم الاحتمالات كطريقة أساسية لوصف الواقع.

الاحتمالية والواقع الكمومي

في عالم فيزياء الكم، لا نصف الجسيمات بمواقع وسرعات محددة، بل بـ "دوال موجية". الدالة الموجية هي معادلة رياضية تصف حالة الجسيم، لكنها لا تخبرنا أين هو الجسيم بالضبط، بل تخبرنا فقط عن احتمالية وجوده في مكان معين أو امتلاكه لخاصية معينة. فقبل القياس، يمكن للجسيم أن يتواجد في "تراكب" من حالات متعددة في نفس الوقت، أي أنه في مكانين أو أكثر في آن واحد، أو يدور في اتجاهين في آن واحد.

عندما نقوم بقياس، يحدث شيء غريب يُعرف بـ "انهيار الدالة الموجية". فجأة، ينهار التراكب، ويختار الجسيم حالة واحدة محددة من بين جميع الاحتمالات المتاحة. على سبيل المثال، إذا كان الإلكترون في تراكب من حالتي دوران (لأعلى ولأسفل)، فعند قياس دورانه، نجده إما يدور لأعلى أو لأسفل، ولا نجده أبداً في تراكب من الحالتين.

هذه العملية، التي يبدو فيها أن الملاحظة تلعب دوراً حاسماً في تحديد الواقع، أثارت جدلاً كبيراً بين الفيزيائيين والفلاسفة. فهل الواقع موجود بمعزل عن الملاحظة؟ أم أن الملاحظة هي التي تخلق الواقع؟ هذا السؤال يظل أحد أكثر الألغاز المحيرة في فيزياء الكم.

قطة شرودنغر: مفارقة على حافة العوالم

لإبراز غرابة انهيار الدالة الموجية، اقترح الفيزيائي إروين شرودنغر في عام 1935 تجربة فكرية شهيرة تُعرف باسم "قطة شرودنغر". تخيل صندوقاً مغلقاً يحتوي على قطة، وزجاجة سم، ومادة مشعة صغيرة، وكاشف جيجر. تم تصميم التجربة بحيث إذا تحللت ذرة واحدة من المادة المشعة (وهي عملية كمومية عشوائية)، فإنها ستطلق الكاشف، الذي سيكسر زجاجة السم، مما يؤدي إلى موت القطة.

وفقاً لمبادئ فيزياء الكم، فإن الذرة المشعة تكون في تراكب من حالتين: متحللة وغير متحللة، حتى يتم ملاحظتها. وبما أن مصير القطة مرتبط بشكل مباشر بهذه الذرة الكمومية، فإن القطة نفسها يجب أن تكون في تراكب من حالتين: حية وميتة في نفس الوقت، طالما ظل الصندوق مغلقاً ولم يتم إجراء أي ملاحظة.

بالطبع، هذا التصور سخيف على المستوى الماكروسكوبي. فليس من المعقول أن تكون القطة حية وميتة في نفس الوقت. تهدف تجربة قطة شرودنغر إلى تسليط الضوء على المشكلة المعروفة باسم "مشكلة القياس" في فيزياء الكم: كيف ولماذا ينهار التراكب الكمومي عندما ننتقل من العالم المجهري إلى العالم المرئي؟ ومتى بالضبط يحدث هذا الانهيار؟ هل هو عندما ينظر الإنسان إلى القطة؟ أم عندما تتفاعل الذرة مع الكاشف؟ أم عندما يموت الكاشف؟ هذه المفارقة قادت إلى العديد من التفسيرات المختلفة لفيزياء الكم.

تفسيرات فيزياء الكم: من كوبنهاغن إلى العوالم المتعددة

لا يوجد تفسير واحد متفق عليه عالمياً لكيفية عمل فيزياء الكم حقاً. بدلاً من ذلك، هناك العديد من "التفسيرات" التي تحاول الإجابة على الأسئلة الفلسفية التي تثيرها.

  • تفسير كوبنهاغن: هذا هو التفسير الأكثر قبولاً على نطاق واسع، وقد طوّره نيلز بور وفيرنر هايزنبرغ وزملاؤهما. ينص هذا التفسير على أن الجسيمات الكمومية لا تمتلك خصائص محددة قبل القياس. بدلاً من ذلك، توجد في تراكب من جميع الحالات الممكنة. القياس هو الذي يجبر النظام الكمومي على "اختيار" إحدى هذه الحالات، مما يؤدي إلى انهيار الدالة الموجية. ووفقاً لهذا التفسير، فإن العالم الميكروسكوبي يختلف جوهرياً عن العالم الماكروسكوبي، ولا يمكن تطبيق مبادئ الكم على الأجسام الكبيرة. ببساطة، لا ينبغي لنا أن نسأل كيف يعمل الواقع الكمومي، بل يجب أن "نصمت ونحسب" النتائج التي تتفق مع التجارب.

  • تفسير العوالم المتعددة (Many-Worlds Interpretation - MWI): يُعد تفسير العوالم المتعددة، الذي اقترحه هيو إيفريت الثالث في عام 1957، أحد أكثر التفسيرات إثارة للجدل والذهول. على عكس تفسير كوبنهاغن، لا يفترض MWI انهيار الدالة الموجية. بدلاً من ذلك، يقول إن كل نتيجة محتملة لقياس كمومي تتحقق فعلياً، ولكن في "كون" مختلف. ففي كل مرة يتم فيها إجراء قياس كمومي (أو حدوث تفاعل كمومي)، ينقسم الكون إلى عوالم متوازية، كل منها يمثل نتيجة مختلفة للقياس.

    لنعد إلى قطة شرودنغر. وفقاً لتفسير العوالم المتعددة، عندما يتم فتح الصندوق، لا تنهار الدالة الموجية. بدلاً من ذلك، ينقسم الكون إلى كونين

المراجع

إرسال تعليق

0 تعليقات