كيف تعمل اللقاحات في جسم الإنسان؟ رحلة علمية إلى داخل تقنية mRNA

إعلان
كيف تعمل اللقاحات في جسم الإنسان؟ رحلة علمية إلى داخل تقنية mRNA

صورة من Pexels — المصدر


كيف تعمل اللقاحات في جسم الإنسان؟ رحلة علمية إلى داخل تقنية mRNA

لطالما كانت اللقاحات من أعظم الإنجازات في تاريخ الطب الحديث، حيث غيرت مسار العديد من الأمراض الوبائية التي كانت تحصد أرواح الملايين. من الجدري إلى شلل الأطفال، ومن الحصبة إلى الإنفلونزا، قدمت اللقاحات درعًا مناعيًا للبشرية، حمت الأفراد والمجتمعات على حد سواء. ولكن كيف تعمل هذه "الجرعات السحرية" داخل أجسامنا؟ وما الذي يميز تقنية لقاحات mRNA الحديثة التي برزت بقوة خلال جائحة كوفيد-19؟ في هذه المقالة، سنغوص في أعماق الجهاز المناعي البشري لنفهم الآلية المعقدة والبسيطة في آن واحد التي تمكن اللقاحات من تدريب أجسامنا على محاربة الغزاة، مع التركيز بشكل خاص على الابتكار الذي جلبته لقاحات الحمض النووي الريبوزي الرسول (mRNA).

الجهاز المناعي: حارس الجسم الأمين

قبل أن نفهم كيف تعمل اللقاحات، يجب أن نلقي نظرة سريعة على بطل قصتنا: الجهاز المناعي. إنه نظام دفاعي معقد ومتطور داخل أجسامنا، يعمل على مدار الساعة لحمايتنا من مسببات الأمراض مثل البكتيريا والفيروسات والفطريات والطفيليات. يتكون الجهاز المناعي من شبكة واسعة من الخلايا والأنسجة والأعضاء التي تعمل بتناغم لتحديد هذه التهديدات والقضاء عليها.

عندما يغزو جسم غريب (يُسمى "مستضد") الجسم، يقوم الجهاز المناعي بالتعرف عليه وتصنيع "أجسام مضادة" متخصصة ترتبط بهذا المستضد لتحييده أو وضع علامة عليه لتدميره بواسطة خلايا مناعية أخرى. بالإضافة إلى الأجسام المضادة، يمتلك الجهاز المناعي أنواعًا مختلفة من الخلايا الليمفاوية، مثل الخلايا التائية (T-cells) التي يمكنها قتل الخلايا المصابة مباشرة أو تنسيق الاستجابة المناعية، والخلايا البائية (B-cells) التي تنتج الأجسام المضادة. الأهم من ذلك، أن الجهاز المناعي لديه "ذاكرة". فبعد التعرض الأول لمسببات الأمراض، يحتفظ بخلايا ذاكرة مناعية يمكنها التعرف على نفس المستضد بسرعة أكبر وبقوة أكبر عند التعرض له مرة أخرى في المستقبل. هذا هو الأساس الذي تبنى عليه فكرة اللقاحات.

المبدأ الأساسي لعمل اللقاحات: تدريب الجهاز المناعي

تستغل اللقاحات هذه الخاصية الفريدة للجهاز المناعي، وهي قدرته على تذكر مسببات الأمراض. الفكرة بسيطة في جوهرها: بدلاً من الانتظار حتى يتعرض الجسم لعدوى حقيقية خطيرة، يقوم اللقاح بتقديم جزء آمن وغير ضار من مسبب المرض إلى الجهاز المناعي. هذا الجزء، الذي يُسمى "المستضد"، لا يسبب المرض ولكنه كافٍ لتحفيز استجابة مناعية.

عندما يتعرض الجهاز المناعي لهذا المستضد الآمن، يبدأ في إنتاج الأجسام المضادة والخلايا التائية المتخصصة لمحاربته. الأهم من ذلك، أنه يشكل خلايا ذاكرة مناعية. بهذه الطريقة، يصبح الجسم "مدربًا" ومستعدًا. فإذا واجه فيروسًا أو بكتيريا حقيقية في المستقبل، سيكون لديه بالفعل الأسلحة (الأجسام المضادة والخلايا التائية) والجنود (خلايا الذاكرة) اللازمة للتعرف على التهديد بسرعة والاستجابة بقوة وفعالية، قبل أن يتمكن مسبب المرض من التسبب في مرض خطير.

اللقاحات التقليدية: نظرة سريعة

تطورت تقنيات اللقاحات على مر العقود، ويمكن تصنيفها إلى عدة أنواع رئيسية: * اللقاحات الحية الموهنة (Live-attenuated vaccines): تحتوي على نسخة ضعيفة من الفيروس أو البكتيريا المسببة للمرض، بحيث لا تسبب المرض ولكنها تحفز استجابة مناعية قوية (مثل لقاحات الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية). * اللقاحات المعطلة (Inactivated vaccines): تستخدم نسخة ميتة من الفيروس أو البكتيريا، والتي لا يمكنها التكاثر أو التسبب في المرض، ولكنها لا تزال تحتوي على المستضدات التي تحفز الاستجابة المناعية (مثل لقاحات الإنفلونزا وشلل الأطفال). * لقاحات الوحدات الفرعية (Subunit vaccines): تحتوي على أجزاء محددة فقط من مسبب المرض (مثل بروتينات معينة)، وهي الأجزاء التي يحددها الجهاز المناعي (مثل لقاح التهاب الكبد B). * لقاحات التوكسويد (Toxoid vaccines): تستخدم سمومًا غير نشطة (توكسويدات) تنتجها البكتيريا، بدلاً من البكتيريا نفسها (مثل لقاحات الكزاز والخناق).

لقد أثبتت هذه اللقاحات فعاليتها بشكل لا يصدق في مكافحة الأمراض، ولكن تطويرها وتصنيعها قد يستغرق وقتًا طويلاً ويتطلب أحيانًا التعامل مع مسببات الأمراض الحية.

تقنية mRNA: ثورة في عالم اللقاحات

لقاحات الحمض النووي الريبوزي الرسول (mRNA) تمثل قفزة نوعية في تكنولوجيا اللقاحات. بدلاً من حقن جزء من الفيروس أو الفيروس نفسه (موهنًا أو ميتًا)، تقوم لقاحات mRNA بحقن "تعليمات" وراثية لخلايا الجسم لإنتاج جزء من الفيروس بنفسها.

لفهم ذلك، تخيل الحمض النووي (DNA) في خلايانا على أنه "كتاب الوصفات" الرئيسي الذي يحتوي على جميع التعليمات الوراثية لبناء الجسم. الـ mRNA هو بمثابة "رسالة" أو "وصفة عمل" مؤقتة يتم نسخها من هذا الكتاب وإرسالها إلى "مصانع البروتين" في الخلية (الريبوسومات) لإنتاج بروتين معين. في حالة لقاحات mRNA لكوفيد-19، تحتوي الرسالة على تعليمات لإنتاج "البروتين الشوكي" (spike protein) الخاص بفيروس كورونا. هذا البروتين هو الذي يستخدمه الفيروس للالتصاق بالخلايا البشرية ودخولها.

الميزة الأساسية هنا هي أن اللقاح لا يحتوي على الفيروس نفسه، ولا حتى جزء من الفيروس المصنع خارجيًا. بل هو مجرد "خطة عمل" مؤقتة.

كيف يعمل لقاح mRNA خطوة بخطوة؟

دعونا نتتبع الرحلة المدهشة للقاح mRNA بمجرد حقنه في الجسم:

  1. حقن لقاح mRNA: يتم حقن لقاح mRNA عادة في عضلة الذراع. لا يكون الـ mRNA حرًا في المحلول، بل يتم تغليفه داخل جسيمات دهنية نانوية دقيقة (lipid nanoparticles). هذه الجسيمات الدهنية تحمي الـ mRNA من التحلل وتساعده على دخول الخلايا.

  2. دخول mRNA إلى الخلايا: بمجرد حقنها، تندمج الجسيمات الدهنية النانوية مع أغشية بعض الخلايا في العضلات القريبة من موقع الحقن، وتطلق الـ mRNA داخل السيتوبلازم (الجزء السائل من الخلية خارج النواة). من المهم جدًا التأكيد على أن الـ mRNA لا يدخل أبدًا إلى نواة الخلية، حيث يوجد الحمض النووي (DNA) الخاص بنا. هذا يعني أنه لا يمكنه بأي شكل من الأشكال تغيير جيناتنا أو التداخل مع الحمض النووي البشري.

  3. تصنيع البروتين الشوكي: بمجرد أن يصبح الـ mRNA داخل السيتوبلازم، تتعرف عليه "مصانع البروتين" في الخلية (الريبوسومات). تبدأ هذه الريبوسومات بقراءة "التعليمات" الموجودة في الـ mRNA وتستخدمها لإنتاج نسخ متعددة من البروتين الشوكي لفيروس كورونا.

  4. عرض البروتين الشوكي على سطح الخلية: بعد تصنيع البروتينات الشوكية، تقوم بعض الخلايا بعرض أجزاء صغيرة من هذه البروتينات على أسطحها الخارجية. هذا بمثابة "إشارة تنبيه" للجهاز المناعي.

  5. استجابة الجهاز المناعي: عندما ترى الخلايا المناعية (مثل الخلايا التائية والخلايا البائية) هذه البروتينات الشوكية المعروضة على سطح الخلايا، فإنها تتعرف عليها على أنها أجسام غريبة.

    • الخلايا البائية: تبدأ الخلايا البائية في إنتاج أجسام مضادة متخصصة يمكنها الارتباط بالبروتين الشوكي. هذه الأجسام المضادة يمكنها تحييد الفيروس إذا دخل الجسم لاحقًا، أو وضع علامة عليه لتدميره.
    • الخلايا التائية: تنشط الخلايا التائية المساعدة (helper T-cells) التي تنسق الاستجابة المناعية، والخلايا التائية القاتلة (cytotoxic T-cells) التي يمكنها التعرف على الخلايا المصابة بالفيروس وتدميرها (في هذه الحالة، الخلايا التي أنتجت البروتين الشوكي).
  6. تكوين خلايا الذاكرة: هذا هو الجزء الأهم. بعد الاستجابة الأولية، يحتفظ الجهاز المناعي بـ "خلايا ذاكرة" خاصة (خلايا بائية ذاكرة وخلايا تائية ذاكرة). هذه الخلايا تبقى في الجسم لسنوات، وهي جاهزة للتعرف على البروتين الشوكي والاستجابة بسرعة وقوة أكبر إذا تعرض الجسم للفيروس الحقيقي في المستقبل.

  7. تحلل mRNA: بمجرد أن تقوم الـ mRNA بمهمتها في إعطاء التعليمات، فإنها تتحلل بشكل طبيعي وسريع بواسطة الإنزيمات الموجودة في الخلية، تمامًا مثل أي رسالة مؤقتة أخرى في الخلية. لا تترك الـ mRNA أي أثر دائم في الجسم.

لماذا تعتبر لقاحات mRNA واعدة؟

لقد أظهرت لقاحات mRNA فعاليتها العالية جدًا في الوقاية من الأمراض الشديدة والوفاة، لا سيما ضد كوفيد-19. تكمن مزاياها في عدة نقاط:

  • سرعة التطوير والتصنيع: يمكن تصميم وتصنيع لقاحات mRNA بسرعة أكبر بكثير من اللقاحات التقليدية، مما يجعلها مثالية للاستجابة السريعة للأوبئة الجديدة أو السلالات المتحورة.
  • الفعالية العالية: أظهرت هذه اللقاحات مستويات حماية ممتازة.
  • السلامة: لا تحتوي على أي جزء من الفيروس الحي، ولا يمكنها التسبب في العدوى. كما أنها لا تتفاعل مع الحمض النووي البشري.
  • المرونة: سهولة تعديل تسلسل الـ mRNA لتكييف اللقاح مع سلالات جديدة من الفيروس.

الآثار الجانبية الشائعة ومخاوف السلامة

مثل جميع اللقاحات والأدوية، يمكن أن تسبب لقاحات mRNA بعض الآثار الجانبية، والتي تكون عادة خفيفة ومؤقتة. تشمل الآثار الجانبية الشائعة الألم والاحمرار والتورم في موقع الحقن، بالإضافة إلى التعب والصداع وآلام العضلات والحمى الخفيفة. هذه الآثار هي علامة على أن الجهاز المناعي يستجيب ويبني الحماية.

تم اختبار لقاحات mRNA بدقة في تجارب سريرية واسعة النطاق شملت عشرات الآلاف من المشاركين، وتابعتها هيئات تنظيمية صحية عالمية. البيانات المتراكمة من ملايين الجرعات التي تم إعطاؤها حول العالم تؤكد سلامتها وفعاليتها. المخاوف بشأن تغيير الحمض النووي

المراجع

إرسال تعليق

0 تعليقات