صورة من Pexels — المصدر
لماذا تقشعر جلودنا؟ الأسباب العلمية وراء ظاهرة "جلد الدجاجة"
هل سبق لك أن شعرت فجأة بانتصاب شعر جسدك وظهرت نتوءات صغيرة على جلدك، سواء من شدة البرد، أو عند سماع أغنية مفضلة، أو حتى عند مشاهدة مشهد مخيف في فيلم؟ هذه الظاهرة الشائعة، التي تُعرف باللغة الدارجة بـ "جلد الدجاجة" أو علميًا بـ "القشعريرة" (Piloerection)، هي استجابة جسدية لا إرادية أثارت فضول البشر لقرون. في حين أنها قد تبدو مجرد رد فعل غريب لا طائل منه في عالمنا الحديث، إلا أن جذورها عميقة في تاريخنا التطوري وتكشف الكثير عن كيفية عمل أجسادنا وعقولنا. في هذه المقالة، سنغوص في الأسباب العلمية وراء القشعريرة، مستكشفين آلياتها الفسيولوجية، وظيفتها التطورية، والمحفزات المتنوعة التي تثيرها.
ما هي القشعريرة؟ نظرة فسيولوجية
لفهم سبب شعورنا بالقشعريرة، يجب أن نبدأ بفهم ما يحدث بالضبط على المستوى الجسدي. القشعريرة هي نتيجة لانقباض عضلات صغيرة جدًا تسمى "العضلات المقفة للشعر" (Arrector Pili Muscles). هذه العضلات توجد في قاعدة كل بصيلة شعر على جسم الإنسان. عندما تنقبض هذه العضلات، فإنها تسحب بصيلات الشعر إلى الأعلى، مما يؤدي إلى انتصاب الشعرة وظهور نتوء صغير ومؤقت على سطح الجلد حول قاعدة الشعرة. هذا النتوء هو ما نسميه "القشعريرة" أو "جلد الدجاجة".
هذه العملية لا إرادية تمامًا، أي أننا لا نستطيع التحكم فيها بوعي. إنها جزء من استجابة أكبر يديرها الجهاز العصبي اللاإرادي (Autonomic Nervous System)، وتحديدًا الفرع الودي (Sympathetic Branch) منه، وهو المسؤول عن استجابات "القتال أو الهروب" (Fight or Flight) التي تهيئ الجسم للتعامل مع التوتر أو الخطر.
الغرض التطوري: إرث من الماضي
للوهلة الأولى، قد تبدو القشعريرة عديمة الفائدة في البشر المعاصرين، الذين يمتلكون شعرًا خفيفًا نسبيًا على أجسادهم. ومع ذلك، فإن فهمنا للظاهرة يكتمل عندما ننظر إلى أسلافنا من الثدييات، والحيوانات الأخرى ذات الفراء الكثيف.
1. تنظيم درجة الحرارة (Thermoregulation): في الحيوانات ذات الفراء، تلعب القشعريرة دورًا حيويًا في تنظيم درجة حرارة الجسم. عندما تشعر الحيوانات بالبرد، تنقبض العضلات المقفة للشعر، مما يؤدي إلى انتصاب الفراء. هذا الفراء المنتصب يحبس طبقة من الهواء بين الشعيرات والجلد. الهواء المحبوس يعمل كعازل فعال، يساعد على تقليل فقدان الحرارة من الجسم ويحافظ على دفئه. تخيل معطفًا شتويًا سميكًا: كلما زاد حجمه وانتفاشه، زادت قدرته على الاحتفاظ بالدفء. في البشر، ومع فقدان معظم شعر الجسم الكثيف على مر التطور، أصبحت هذه الآلية أقل فعالية بكثير. ومع ذلك، فإن رد الفعل لا يزال موجودًا كـ "أثر تطوري" (Vestigial Reflex)، وهو تذكير بوظيفة كانت ضرورية لبقائنا في الماضي. عندما نشعر بالبرد الشديد، لا يزال جسمنا يحاول عزل نفسه بهذه الطريقة، حتى لو كان التأثير ضئيلًا.
2. الدفاع وعرض التهديد (Defense and Threat Display): وظيفة تطورية أخرى للقشعريرة هي الدفاع عن النفس أو إظهار التهديد. عندما تواجه الحيوانات المفترسات أو المنافسين، فإنها غالبًا ما تنتصب فروها أو ريشها لتبدو أكبر حجمًا وأكثر إثارة للخوف. فكر في قطة تنتصب فروها عندما تشعر بالخطر، أو قنفذ يرفع أشواكه. هذه الاستجابة تجعل الحيوان يبدو أكثر شراسة وأقل عرضة للهجوم. في البشر، قد لا نجعل أنفسنا نبدو أكبر حجمًا بشكل ملحوظ عند الشعور بالخوف، ولكن هذه الآلية العصبية لا تزال جزءًا من استجابة الخوف والقلق لدينا، مرتبطة بإفراز هرمونات التوتر مثل الأدرينالين.
المحفزات المتنوعة للقشعريرة
ليست البرودة وحدها هي ما يثير القشعريرة. يمكن أن تكون المحفزات جسدية أو نفسية أو عاطفية، مما يكشف عن تعقيد هذه الظاهرة.
1. المحفزات الجسدية: * البرودة: كما ذكرنا، هذا هو المحفز الأكثر شيوعًا. عندما تنخفض درجة حرارة الجسم الأساسية، يحاول الوطاء (Hypothalamus) في الدماغ، وهو مركز التحكم في درجة الحرارة، استعادة التوازن. إحدى الاستجابات هي إثارة القشعريرة، بالإضافة إلى الارتعاش الذي يولد الحرارة. * اللمس المفاجئ أو الاحتكاك: في بعض الأحيان، يمكن أن يثير لمس مفاجئ أو احتكاك معين على الجلد القشعريرة، خاصة إذا كان غير متوقع أو مصحوبًا بإحساس غريب.
2. المحفزات النفسية والعاطفية: هذه هي الفئة الأكثر إثارة للاهتمام، حيث تربط القشعريرة بحالتنا العقلية والعاطفية. * الخوف والقلق (Fear and Anxiety): تعتبر القشعريرة جزءًا لا يتجزأ من استجابة "القتال أو الهروب". عندما نشعر بالخوف أو التهديد، يطلق الجسم الأدرينالين، وهو هرمون ينشط الجهاز العصبي الودي. هذا التنشيط يؤدي إلى مجموعة من التغييرات الفسيولوجية، بما في ذلك زيادة معدل ضربات القلب، واتساع حدقة العين، وبالطبع، القشعريرة. هذا يفسر لماذا نشعر بالقشعريرة عند مشاهدة فيلم رعب، أو سماع صوت مفاجئ ومخيف. * الإثارة العاطفية القوية (Strong Emotional Arousal): لا تقتصر القشعريرة على المشاعر السلبية. يمكن أن تثيرها المشاعر الإيجابية والقوية جدًا أيضًا: * الرهبة والإلهام (Awe and Inspiration): يمكن أن تسبب قطعة موسيقية مؤثرة، أو مشهد فني جميل، أو خطاب ملهم، أو حتى مشهد طبيعي خلاب، القشعريرة. يُعتقد أن هذه الاستجابة مرتبطة بإفراز الدوبامين، وهو ناقل عصبي مرتبط بالمتعة والمكافأة، وتنشيط مناطق الدماغ المرتبطة بالمعالجة العاطفية. * الحنين والذكريات (Nostalgia and Memories): أحيانًا، يمكن أن تستدعي رائحة معينة، أو أغنية قديمة، أو زيارة مكان يحمل ذكريات عزيزة، شعورًا قويًا بالحنين يمكن أن يؤدي إلى القشعريرة. هذا يربط الظاهرة بالذاكرة والعاطفة. * التعاطف (Empathy): يمكن أن يشعر بعض الأشخاص بالقشعريرة عند مشاهدة شخص آخر يمر بتجربة عاطفية قوية، سواء كانت فرحًا أو حزنًا، مما يدل على ارتباط القشعريرة بالقدرة على الشعور بمشاعر الآخرين.
دور الجهاز العصبي اللاإرادي
كما ذكرنا سابقًا، تلعب القشعريرة دورًا رئيسيًا في الجهاز العصبي اللاإرادي (ANS)، وهو جزء من الجهاز العصبي يتحكم في وظائف الجسم غير الإرادية مثل التنفس، ومعدل ضربات القلب، والهضم، وتنظيم درجة الحرارة. يتكون الـ ANS من فرعين رئيسيين:
- الجهاز العصبي الودي (Sympathetic Nervous System): يُعرف بـ "جهاز القتال أو الهروب". ينشط هذا الجهاز في أوقات التوتر، والخطر، والإثارة. إفراز الأدرينالين والنورأدرينالين هو السمة المميزة لتنشيطه، مما يؤدي إلى توسع حدقة العين، وزيادة معدل ضربات القلب، وارتفاع ضغط الدم، وبالطبع، انقباض العضلات المقفة للشعر مسببًا القشعريرة.
- الجهاز العصبي نظير الودي (Parasympathetic Nervous System): يُعرف بـ "جهاز الراحة والهضم". يعمل هذا الجهاز على تهدئة الجسم بعد فترة من التوتر، ويعزز وظائف الجسم في حالات الاسترخاء.
القشعريرة هي مثال واضح ومباشر على تنشيط الجهاز العصبي الودي، سواء كان ذلك بسبب محفز جسدي (مثل البرد) أو محفز عاطفي (مثل الخوف أو الإلهام). هذا يوضح كيف أن استجاباتنا الفسيولوجية مترابطة بشكل وثيق مع حالتنا العاطفية والبيئية.
هل لا تزال القشعريرة مفيدة اليوم؟
على الرغم من أن وظيفتها الأصلية في العزل والدفاع قد تضاءلت في البشر، إلا أن القشعريرة لا تزال تحمل أهمية في فهمنا للفسيولوجيا البشرية وعلم النفس. إنها بمثابة مؤشر قوي على أن الجسم يمر باستجابة فسيولوجية وعاطفية عميقة.
- نافذة على العواطف: القدرة على الشعور بالقشعريرة استجابة للموسيقى أو الفن أو القصص العاطفية تسلط الضوء على عمق استجابتنا العاطفية وكيف يمكن للمحفزات غير المادية أن تؤثر على أجسادنا.
- صلة بالماضي التطوري: تذكير بأننا نحمل إرثًا تطوريًا من أسلافنا، وأن العديد من آليات أجسادنا لا تزال تعكس احتياجات البقاء التي كانت سائدة منذ آلاف السنين.
- مؤشر للأبحاث: يواصل العلماء دراسة القشعريرة لفهم أفضل للمسارات العصبية التي تربط المشاعر بالاستجابات الجسدية، وكيف يمكن أن تختلف هذه الاستجابات بين الأفراد.
الخلاصة
القشعريرة، أو "جلد الدجاجة"، هي أكثر من مجرد رد فعل جسدي عابر. إنها ظاهرة معقدة ومتعددة الأوجه تربطنا بماضينا التطوري وتكشف عن التفاعل المعقد بين أجسادنا وعقولنا. سواء كانت استجابة للبرد القارس، أو لمشهد سينمائي مخيف، أو لقطعة موسيقية تلامس الروح، فإن انقباض تلك العضلات الصغيرة المقفة للشعر يمثل إشارة قوية من جهازنا العصبي اللاإرادي. إنها تذكير دائم بأننا كائنات بيولوجية تتأثر بعمق بالعالم من حولنا، وأن مشاعرنا وأحاسيسنا لها تأثير ملموس على فسيولوجيتنا، حتى في أبسط صورها. في المرة القادمة التي تشعر فيها بالقشعريرة، تذكر
0 تعليقات