فنزويلا وواشنطن: مفاوضات لاستئناف العلاقات الدبلوماسية وتداعياتها الإقليمية والدولية

إعلان
فنزويلا وواشنطن: مفاوضات لاستئناف العلاقات الدبلوماسية وتداعياتها الإقليمية والدولية

Free image source


فنزويلا وواشنطن: مفاوضات لاستئناف العلاقات الدبلوماسية وتداعياتها الإقليمية والدولية

في خطوة دبلوماسية مفاجئة، أعلنت سكاي نيوز عربية أن فنزويلا تجري محادثات مع واشنطن لاستئناف العلاقات الدبلوماسية، في تطور يمثل تحولاً جذرياً في مسار العلاقات المتوترة بين البلدين منذ سنوات طويلة. هذا الخبر، الذي يأتي في سياق عالمي مضطرب يشهد تحولات جيوسياسية واقتصادية كبرى، يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الكامنة وراء هذا التقارب، والتحديات التي قد تواجه طريق التطبيع، فضلاً عن التداعيات المحتملة على المشهد الإقليمي والدولي، بما في ذلك الدروس المستفادة للمنطقة العربية.

لطالما كانت العلاقة بين الولايات المتحدة وفنزويلا محفوفة بالتوتر والعداء، خاصة منذ وصول الرئيس الراحل هوغو شافيز إلى السلطة في عام 1999، الذي تبنى خطاباً معادياً للإمبريالية الأمريكية وعمل على تعزيز تحالفات مع خصوم واشنطن. ومع تولي نيكولاس مادورو الرئاسة في عام 2013، ازدادت حدة التوترات، لتصل إلى ذروتها مع الأزمة السياسية والاقتصادية الطاحنة التي عصفت بفنزويلا. رفضت واشنطن الاعتراف بشرعية مادورو، ودعمت المعارضة الفنزويلية، وفرضت سلسلة واسعة من العقوبات الاقتصادية القاسية التي استهدفت قطاع النفط الحيوي في البلاد، وشخصيات حكومية، والبنك المركزي. بلغت هذه التوترات ذروتها في عام 2019 عندما قطعت الولايات المتحدة علاقاتها الدبلوماسية مع كاراكاس، معترفة بزعيم المعارضة خوان غوايدو رئيساً انتقالياً للبلاد. هذه الخلفية المعقدة تجعل من أي حديث عن استئناف العلاقات أمراً ذا أهمية بالغة، ويشير إلى تغيرات عميقة في الحسابات الاستراتيجية لكلا الطرفين.

تاريخ من التوتر: نظرة على العلاقات الفنزويلية-الأمريكية

شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا تحولاً جذرياً من شريك تجاري رئيسي ومورد نفط موثوق به إلى خصم عنيد. قبل وصول شافيز، كانت فنزويلا من أهم مصادر النفط للولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي، وكانت العلاقات تتسم بالتعاون، وإن كانت واشنطن تمارس نفوذها المعتاد في المنطقة. لكن مع صعود شافيز وخطابه الثوري المناهض للولايات المتحدة، بدأت فنزويلا في الابتعاد عن الفلك الأمريكي، مستغلة عائدات النفط الضخمة لتمويل برامج اجتماعية داخلية وبناء تحالفات مع دول مثل كوبا وروسيا والصين وإيران.

تصاعد التوتر بشكل ملحوظ خلال إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، الذي اتهم شافيز بتقويض الديمقراطية ودعم الإرهاب. ومع مجيء نيكولاس مادورو خلفاً لشافيز، ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية والسياسية في فنزويلا، وصلت العلاقات إلى أدنى مستوياتها. اتهمت واشنطن نظام مادورو بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان وتزوير الانتخابات، في حين اتهمت كاراكاس واشنطن بمحاولة الانقلاب والتدخل في شؤونها الداخلية. فرضت الولايات المتحدة عقوبات غير مسبوقة على فنزويلا، شملت حظر التعامل مع شركة النفط الحكومية "بتروليس دي فنزويلا" (PDVSA)، وتجميد أصول فنزويلية في الخارج، واستهدفت شخصيات بارزة في النظام. هذه العقوبات، التي كان هدفها الضغط على مادورو للتنحي، أدت إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد، ودفعت الملايين إلى الهجرة، لكنها لم تحقق هدف تغيير النظام. هذا الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة، إلى جانب تغير الظروف الجيوسياسية، هو ما يدفع الآن باتجاه إعادة تقييم شاملة للسياسة الأمريكية.

دوافع التقارب: ما الذي يدفع الطرفين إلى طاولة المفاوضات؟

إن قرار الطرفين بالجلوس على طاولة المفاوضات، بعد سنوات من العداء الصريح، لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة لتغيرات في الحسابات الاستراتيجية لكل منهما:

من الجانب الفنزويلي: 1. تخفيف العقوبات الاقتصادية: تعد العقوبات الأمريكية السبب الرئيسي في الانهيار الاقتصادي لفنزويلا، التي تعتمد بشكل شبه كامل على صادرات النفط. تخفيف هذه العقوبات أو رفعها سيتيح لكاراكاس الوصول إلى الأسواق العالمية، وزيادة إنتاج النفط، وجذب الاستثمارات الأجنبية الضرورية لإنعاش الاقتصاد المتهالك. 2. شرعنة نظام مادورو: الحصول على اعتراف دبلوماسي من الولايات المتحدة، القوة العظمى، سيمثل انتصاراً سياسياً كبيراً لمادورو، ويمنحه شرعية دولية كان يفتقر إليها، ويضعف موقف المعارضة المدعومة أمريكياً. 3. تحسين الأوضاع المعيشية: يدرك نظام مادورو أن استمرار الأزمة الاقتصادية يؤدي إلى تفاقم الاستياء الشعبي، وزيادة الهجرة، وتهديد استقرار حكمه على المدى الطويل. أي تحسن اقتصادي بفضل رفع العقوبات سينعكس إيجاباً على حياة المواطنين، مما قد يعزز شعبيته. 4. الوصول إلى الأصول المجمدة: تسعى فنزويلا إلى استعادة مليارات الدولارات من الأصول المجمدة في البنوك الأمريكية وغيرها من الدول التي اعترفت بغوايدو، والتي يمكن أن تساهم بشكل كبير في جهود إعادة الإعمار الاقتصادي.

من الجانب الأمريكي: 1. أزمة الطاقة العالمية: تسببت الحرب في أوكرانيا في اضطراب أسواق الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط، مما أثر سلباً على المستهلك الأمريكي. فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفط مثبتة في العالم، ويمكن أن تكون مصدراً بديلاً للنفط إذا ما تم رفع العقوبات جزئياً على الأقل. هذا سيساعد في استقرار الأسعار وتأمين الإمدادات. 2. إضعاف النفوذ الروسي والصيني: لطالما كانت فنزويلا حليفاً استراتيجياً لروسيا والصين في أمريكا اللاتينية. تقارب واشنطن مع كاراكاس قد يقلل من اعتماد فنزويلا على هاتين القوتين، ويضعف نفوذهما في "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة. 3. الاستقرار الإقليمي والهجرة: أدت الأزمة الفنزويلية إلى أكبر موجة هجرة في تاريخ أمريكا اللاتينية، مما أثر على دول الجوار وتسبب في ضغوط على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة. استقرار فنزويلا قد يحد من هذه الموجة. 4. إعادة تقييم سياسة تغيير الأنظمة: فشلت سياسة الضغط الأقصى والعقوبات في تحقيق هدف تغيير النظام في فنزويلا، بل أدت إلى تفاقم الأوضاع. هذا يدفع الإدارة الأمريكية إلى تبني نهج أكثر براغماتية يقوم على التفاوض بدلاً من المواجهة المباشرة. 5. الانتخابات الرئاسية الأمريكية: مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2024، يمكن أن يكون لخفض أسعار الوقود تأثير إيجابي على الناخبين، وهو ما تسعى إليه إدارة بايدن.

تحديات وعقبات: طريق طويل نحو التطبيع الكامل

على الرغم من الدوافع القوية للتقارب، فإن الطريق نحو التطبيع الكامل للعلاقات بين واشنطن وكاراكاس محفوف بالتحديات والعقبات الكبيرة:

  1. ملف العقوبات: لا تزال الولايات المتحدة تفرض عقوبات واسعة النطاق على فنزويلا. السؤال هو: هل سترفع واشنطن هذه العقوبات تدريجياً مقابل تنازلات من مادورو، أم ستطالب برفعها دفعة واحدة؟ وما هي الشروط التي ستضعها واشنطن لذلك؟
  2. الديمقراطية وحقوق الإنسان: تصر الولايات المتحدة على ضرورة إجراء انتخابات حرة ونزيهة في فنزويلا، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، واحترام حقوق الإنسان. هذه مطالب قد يجدها نظام مادورو صعبة التحقيق دون تهديد قبضته على السلطة.
  3. الثقة المفقودة: سنوات من العداء وانعدام الثقة بين الطرفين تجعل من بناء جسور الثقة أمراً صعباً ويستغرق وقتاً طويلاً. أي اتفاقيات قد تكون هشة ومعرضة للانتكاس.
  4. موقف المعارضة الفنزويلية: كيف ستتعامل واشنطن مع المعارضة التي دعمتها لسنوات؟ وهل ستقبل المعارضة بأي اتفاق يمنح الشرعية لمادورو دون تنازلات ديمقراطية حقيقية؟
  5. التأثيرات الجيوسياسية: قد لا تستقبل روسيا والصين وإيران، حلفاء فنزويلا التقليديين، هذا التقارب بارتياح، وقد يسعون لعرقلته أو لتقديم بدائل لكاراكاس للحفاظ على نفوذهم.
  6. قدرة فنزويلا على زيادة الإنتاج النفطي: حتى لو رفعت العقوبات، فإن سنوات الإهمال ونقص الاستثمار قد أضر بالبنية التحتية النفطية الفنزويلية بشكل كبير، مما يعني أن زيادة الإنتاج إلى مستويات كبيرة قد يستغرق سنوات.

تأثيرات محتملة على المشهد الإقليمي والدولي

إذا ما تكللت المحادثات بالنجاح، فإن تداعياتها ستتجاوز حدود فنزويلا والولايات المتحدة:

  1. على أمريكا اللاتينية: قد يؤدي التطبيع إلى إعادة تشكيل الديناميكيات الإقليمية. فنزويلا، التي كانت معزولة دبلوماسياً، قد تستعيد دورها في المنطقة. وقد يشجع هذا دولاً أخرى ذات علاقات متوترة مع واشنطن على البحث عن مسارات دبلوماسية.
  2. على سوق النفط العالمي: زيادة الإمدادات النفطية الفنزويلية، حتى لو كانت تدريجية، يمكن أن تساهم في استقرار أسعار النفط العالمية، وتوفر مرونة أكبر للمستهلكين.
  3. على التنافس الجيوسياسي: قد يُنظر إلى التقارب على أنه انتصار للولايات المتحدة في سعيها لتقليل نفوذ روسيا والصين في المنطقة، وإظهار قدرتها على التكيف الدبلوماسي. كما أنه قد يرسل رسالة إلى أطراف أخرى بأن واشنطن

المراجع

إرسال تعليق

0 تعليقات