ترامب والجولاني وغارات سوريا: تحليل لتصريحات تعيد رسم المشهد السوري

إعلان
ترامب والجولاني وغارات سوريا: تحليل لتصريحات تعيد رسم المشهد السوري

صورة من Pexels — المصدر


ترامب والجولاني وغارات سوريا: تحليل لتصريحات تعيد رسم المشهد السوري

في قلب التعقيدات السورية، حيث تتداخل المصالح وتتصارع القوى، تبرز تصريحات المسؤولين الدوليين كعوامل قد تعيد تشكيل مسارات الأحداث. مؤخراً، أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، حول أحمد الشرع، المعروف باسم "أبو محمد الجولاني"، زعيم هيئة تحرير الشام، والغارات الأمريكية على تنظيم "داعش" في سوريا، جدلاً واسعاً واهتماماً إقليمياً ودولياً. هذه التصريحات، التي نقلتها وسائل إعلام عربية ودولية، لم تكن مجرد آراء عابرة، بل حملت في طياتها دلالات عميقة حول فهم الإدارة الأمريكية السابقة للمشهد السوري، وتقييمها للتهديدات، واستراتيجياتها المحتملة في التعامل مع الجماعات المسلحة المتنوعة. يهدف هذا المقال إلى تحليل هذه التصريحات في سياقها التاريخي والسياسي، واستكشاف تداعياتها المحتملة على الوضع في سوريا والمنطقة العربية بشكل عام، مع التركيز على العلاقة المعقدة بين مكافحة الإرهاب وتطور الجماعات المسلحة.

من هو أحمد الشرع (الجولاني)؟ رحلة من القاعدة إلى "البراغماتية"

لفهم أبعاد تصريحات ترامب، لا بد من استعراض موجز لشخصية أحمد الشرع، المعروف بأبي محمد الجولاني. بدأ الجولاني مسيرته كقيادي بارز في تنظيم القاعدة في العراق، ثم أرسله أبو بكر البغدادي إلى سوريا عام 2011 لتأسيس "جبهة النصرة لأهل الشام". سرعان ما برزت الجبهة كقوة عسكرية رئيسية في الصراع السوري، مستفيدة من خبرة عناصرها القتالية ومن دعم خارجي في مراحل معينة.

على مدى سنوات، تطورت جبهة النصرة وشهدت تحولات مفصلية. ففي عام 2016، أعلن الجولاني فك الارتباط بتنظيم القاعدة وتغيير اسم الجبهة إلى "جبهة فتح الشام"، في خطوة فُسرت حينها كمحاولة لتخفيف الضغط الدولي المصنف لها كمنظمة إرهابية، وربما لكسب شرعية محلية أوسع. لم يدم هذا الاسم طويلاً، ففي عام 2017، اندمجت جبهة فتح الشام مع فصائل إسلامية أخرى لتشكيل "هيئة تحرير الشام"، التي تسيطر حالياً على الجزء الأكبر من محافظة إدلب وشمال غرب سوريا.

تميزت قيادة الجولاني لهيئة تحرير الشام بمزيج من التشدد الأيديولوجي والبراغماتية السياسية. فمن جهة، احتفظت الهيئة بهيكل إسلامي متشدد وفرضت تفسيرها للشريعة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، ومن جهة أخرى، سعت إلى تقديم نفسها ككيان إداري مستقر وقادر على الحكم، وأجرت حوارات مع أطراف دولية وإقليمية، في محاولة لنزع صفة "الإرهاب" عنها، أو على الأقل تخفيف حدتها. ظهر الجولاني نفسه في عدة مقابلات إعلامية غربية، محاولاً تقديم صورة مغايرة عن القائد الإرهابي، مؤكداً على أن تركيز الهيئة بات محصوراً في الشأن السوري الداخلي وأنها لا تشكل تهديداً للمصالح الغربية. هذه التحولات هي التي تجعل أي تصريح دولي حول الجولاني ذا أهمية خاصة، كونه يمس جوهر محاولات الهيئة لغسل سمعتها وتغيير مكانتها.

تصريحات ترامب: السياق والمضمون

وفقاً لما نقلته CNN بالعربية، أدلى دونالد ترامب بتصريحات واضحة وصريحة حول الجولاني والغارات على داعش في سوريا. فقد قال ترامب تحديداً: "كان يجب أن نقتل الجولاني لكن "داعش" كان ينمو بشكل أكبر". هذه الجملة القصيرة تحمل في طياتها عدة أبعاد وتحتاج إلى تفكيك.

أولاً، إقرار ترامب بأنه "كان يجب أن نقتل الجولاني" يعكس موقفاً متشدداً تجاه زعيم هيئة تحرير الشام، ويؤكد أن الإدارة الأمريكية السابقة كانت تضع الجولاني ضمن قائمة الأهداف المحتملة، على الرغم من محاولات الأخير تقديم نفسه كـ"معتدل". هذا التصريح يعيد الجولاني إلى خانة المطلوبين الكبار، ويقوض جزءاً كبيراً من جهوده الدعائية لتغيير صورته. كما أنه يذكر بأن الولايات المتحدة لا تزال تصنف هيئة تحرير الشام كمنظمة إرهابية، وأن فك الارتباط بالقاعدة لم يكن كافياً لإزالة وصمة الإرهاب عنها في نظر واشنطن.

ثانياً، ربط ترامب عدم قتل الجولاني بكون "داعش كان ينمو بشكل أكبر" يشير إلى تفضيل استراتيجي في تلك الفترة. بمعنى أن الإدارة الأمريكية رأت في تنظيم "داعش" التهديد الأكبر والأكثر إلحاحاً، مما استدعى تركيز الموارد والجهود العسكرية والاستخباراتية ضده. هذا لا يعني بالضرورة أن الجولاني لم يكن يشكل تهديداً، بل يعني أن الأولوية القصوى كانت للقضاء على "داعش" ككيان شبه دولي يسيطر على مساحات واسعة من الأراضي في العراق وسوريا ويهدد الأمن العالمي بشكل مباشر. هذا التفضيل يعكس طبيعة المعارك التي خاضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد "داعش" في تلك الفترة، والتي استهلكت جهوداً هائلة.

ثالثاً، تأتي هذه التصريحات في سياق استعراض ترامب لإنجازات إدارته في مكافحة الإرهاب، وخاصة القضاء على خلافة "داعش" المزعومة وقتل زعيمه أبو بكر البغدادي. هو بذلك يدافع عن سياسته التي ركزت على "داعش"، حتى لو كان ذلك يعني تأجيل التعامل مع تهديدات أخرى مثل الجولاني.

الغارات على "داعش سوريا": استمرارية السياسة الأمريكية

بغض النظر عن هوية الإدارة الأمريكية، حافظت الولايات المتحدة على استراتيجية ثابتة نسبياً في مكافحة تنظيم "داعش" في سوريا والعراق. بدأت الغارات الجوية الأمريكية على "داعش" في سوريا في سبتمبر 2014، وشكلت العمود الفقري للتحالف الدولي لمكافحة التنظيم. استمرت هذه الغارات بشكل مكثف خلال إدارة ترامب، وشملت عمليات عسكرية نوعية أسفرت عن القضاء على قيادات بارزة في التنظيم، كان أبرزها مقتل أبو بكر البغدادي في أكتوبر 2019.

كانت هذه الغارات جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تجفيف منابع تمويل "داعش"، وتدمير بنيته التحتية، ومنع قدرته على التجنيد والتوسع. ورغم إعلان الانتصار على "داعش" كـ"خلافة" مسيطرة على الأراضي، إلا أن الولايات المتحدة أبقت على وجود عسكري محدود في شمال شرق سوريا، واستمرت في شن غارات وعمليات خاصة ضد خلايا التنظيم النائمة، التي لا تزال تشكل تهديداً للأمن الإقليمي والدولي. تصريحات ترامب تؤكد على هذه الاستمرارية في التركيز على "داعش" كتهديد أمني رئيسي، وتبرز التحدي المتمثل في التعامل مع شبكة معقدة من الجماعات المسلحة في سوريا، حيث لا يمكن فصل أحدها عن الآخر تماماً.

تداعيات تصريحات ترامب على المشهد السوري والإقليمي

  1. بالنسبة لأحمد الشرع وهيئة تحرير الشام:

    • تقويض جهود "غسل السمعة": التصريح يعيد الجولاني وهيئة تحرير الشام إلى دائرة الاستهداف الأمريكي المباشر، ويقوض بشكل كبير جهود الهيئة لتقديم نفسها كقوة محلية "معتدلة" أو "براغماتية". هذا قد يعيق أي محاولات مستقبلية للهيئة للحصول على اعتراف دولي أو تخفيف العقوبات.
    • زيادة الضغط: قد يزيد التصريح الضغط على الدول الإقليمية، مثل تركيا، التي تتعامل مع الهيئة بحكم الأمر الواقع في إدلب، وقد يدفعها إلى إعادة تقييم علاقاتها أو مواقفها.
    • الاستهداف المحتمل: على الرغم من أن ترامب لم يعد في السلطة، إلا أن هذه التصريحات قد تعيد تسليط الضوء على الجولاني كهدف محتمل للولايات المتحدة في المستقبل، خاصة إذا ما تغيرت الأولويات أو إذا ما رأت واشنطن أن الجولاني يشكل تهديداً متزايداً.
  2. بالنسبة لجهود مكافحة الإرهاب:

    • تأكيد على الأولويات: التصريحات تؤكد على أن الولايات المتحدة لا تزال تعتبر "داعش" و"القاعدة" (بفروعها المختلفة) تهديدين رئيسيين، وأن استراتيجية مكافحة الإرهاب لا تزال تركز على هذه الجماعات.
    • التعقيد السوري: تبرز التصريحات مجدداً مدى تعقيد المشهد السوري، حيث تتداخل الجماعات الإرهابية مع فصائل المعارضة، مما يجعل استهداف إحداها دون التأثير على الأخرى أمراً صعباً.
  3. بالنسبة للمنطقة العربية:

    • قلق إقليمي: الدول المجاورة لسوريا، مثل الأردن وتركيا والعراق، تتابع بقلق تطورات الوضع في إدلب وشمال سوريا. أي تصعيد أو تغيير في الاستراتيجية الأمريكية قد يؤثر على استقرار حدودها أو يتسبب في موجات نزوح جديدة.
    • تأثير على الحل السياسي: بقاء هيئة تحرير الشام كقوة مسيطرة في إدلب، وتصنيفها كجماعة إرهابية، يعقد أي جهود للتوصل إلى حل سياسي شامل للأزمة السورية، حيث يصعب دمج كيان مصنف إرهابياً في أي ترتيبات مستقبلية.
    • رسالة لدول المنطقة: قد تُفهم تصريحات ترامب كرسالة لدول المنطقة بأن الولايات المتحدة، بغض النظر عن إدارتها، لديها خطوط حمراء واضحة فيما يتعلق بالجماعات المتطرفة، وأن

المراجع

إرسال تعليق

0 تعليقات