الاقتصاد السلوكي: فهم الإنسان لصناعة سياسات أفضل — 2025/12/19 10:19

إعلان
الاقتصاد السلوكي: فهم الإنسان لصناعة سياسات أفضل — 2025/12/19 10:19

صورة من Pexels — المصدر


الاقتصاد السلوكي: فهم الإنسان لصناعة سياسات أفضل

لطالما اعتمدت النظريات الاقتصادية التقليدية على افتراض أساسي: أن الإنسان كائن عقلاني يتخذ قراراته بناءً على المنطق البحت، ويسعى دائمًا لتعظيم منفعته الشخصية. لكن الواقع، كما نعلم جميعًا، أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فنحن نرتكب الأخطاء، نتأثر بالعواطف، ونخضع لتحيزات لا واعية تؤثر على خياراتنا اليومية، من شراء القهوة الصباحية إلى قراراتنا الاستثمارية الكبرى. هنا يأتي دور "الاقتصاد السلوكي" (Behavioral Economics)، وهو حقل معرفي ثوري يدمج بين علم الاقتصاد وعلم النفس ليقدم فهمًا أعمق لكيفية اتخاذ البشر لقراراتهم في العالم الحقيقي. هذا الفهم المتجدد ليس مجرد إضافة أكاديمية، بل هو أداة قوية يمكن أن تحدث فرقًا حقيقيًا في تصميم السياسات العامة، مما يجعلها أكثر فعالية وأكثر استجابة للاحتياجات والسلوكيات البشرية.

ما هو الاقتصاد السلوكي؟

الاقتصاد السلوكي هو فرع من فروع الاقتصاد يدرس الآثار النفسية والعاطفية والاجتماعية والمعرفية على اتخاذ القرارات الاقتصادية للأفراد والمؤسسات، وكيف يمكن أن تؤدي هذه العوامل إلى انحرافات عن التوقعات الاقتصادية الكلاسيكية. على عكس الاقتصاد التقليدي الذي يرى الإنسان "عقلانيًا مثاليًا" (Homo Economicus)، يرى الاقتصاد السلوكي أن الإنسان "عقلاني محدود" (Bounded Rationality)، أي أنه يتخذ قراراته ضمن حدود قدراته المعرفية والزمنية والمعلوماتية، ويتأثر بالعديد من العوامل النفسية التي قد تبدو "غير عقلانية" من منظور اقتصادي بحت.

تأسس هذا المجال على يد رواد مثل دانيال كانيمان وعاموس تفرسكي، اللذين أظهرا من خلال أبحاثهما الرائدة كيف أن البشر يعتمدون على "اختصارات ذهنية" (Heuristics) و"تحيزات معرفية" (Cognitive Biases) عند اتخاذ القرارات، بدلاً من التحليل المنطقي الكامل لكل الخيارات المتاحة. وقد أضاف ريتشارد ثالر، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، بعدًا عمليًا لهذا الفهم، موضحًا كيف يمكن استغلال هذه التحيزات لتوجيه سلوك الأفراد نحو خيارات أفضل دون تقييد حريتهم، وهو ما عُرف لاحقًا بـ "نظرية الوكزة" (Nudge Theory).

التحيزات السلوكية الرئيسية وتأثيرها

لفهم كيف يمكن للاقتصاد السلوكي أن يشكل السياسات، يجب أولاً استعراض بعض التحيزات السلوكية الأكثر شيوعًا وتأثيراتها:

  1. التأطير (Framing Effect): يشير هذا التحيز إلى أن طريقة عرض المعلومات تؤثر بشكل كبير على القرار المتخذ، حتى لو كانت المعلومات الموضوعية هي نفسها. على سبيل المثال، قد يفضل الناس منتجًا يوصف بأنه "خالٍ من الدهون بنسبة 90%" على منتج آخر يوصف بأنه "يحتوي على 10% دهون"، رغم أنهما متطابقان. في صناعة السياسات، يمكن استخدام التأطير لتشجيع السلوكيات الصحية، كأن نقول إن "90% من الناس الذين يتبعون هذا النظام الغذائي يعيشون حياة صحية أطول"، بدلاً من "10% من الناس الذين لا يتبعون هذا النظام يعانون من أمراض مزمنة".

  2. النفور من الخسارة (Loss Aversion): يميل الناس إلى الشعور بألم الخسارة بشكل أقوى بكثير من شعورهم بمتعة مكافئ من الربح. هذا يعني أن احتمال خسارة مبلغ معين يؤثر علينا أكثر من احتمال كسب نفس المبلغ. يمكن أن يؤثر هذا التحيز على قرارات الاستثمار، شراء التأمين، أو حتى الامتثال للقوانين. فمثلاً، قد يكون تحفيز الناس على دفع الضرائب أكثر فعالية إذا تم التركيز على "خسارة" الفوائد التي سيحرمون منها في حالة عدم الدفع، بدلاً من "ربح" المساهمة في المجتمع.

  3. القصور الذاتي/الوضع الافتراضي (Status Quo Bias/Default Effect): يميل البشر بشكل عام إلى تفضيل الوضع الراهن وتجنب التغيير، حتى لو كان التغيير سيكون أفضل لهم. هذا التحيز يظهر بوضوح في "تأثير الوضع الافتراضي"، حيث يميل الناس إلى الالتزام بالخيار المحدد مسبقًا لهم. من الأمثلة البارزة على ذلك أن الدول التي تعتمد نظام "الموافقة الضمنية" (Opt-out) للتبرع بالأعضاء (حيث يعتبر الجميع متبرعين ما لم يعترضوا صراحة) يكون لديها معدلات تبرع أعلى بكثير من الدول التي تعتمد نظام "الموافقة الصريحة" (Opt-in).

  4. الاندفاع الزائد/الخصم الزمني (Present Bias/Hyperbolic Discounting): يميل الناس إلى تفضيل المكافآت الفورية على المكافآت الأكبر في المستقبل. هذا هو السبب وراء صعوبة الادخار، واتخاذ خيارات غذائية صحية، أو ممارسة الرياضة بانتظام. فمتعة تناول قطعة حلوى الآن تبدو أكبر من فائدة صحة أفضل بعد سنوات. يمكن للسياسات أن تستغل هذا التحيز من خلال تقديم حوافز صغيرة وفورية للسلوكيات المرغوبة، أو تصميم برامج تساعد الأفراد على الالتزام بخياراتهم المستقبلية.

  5. التحيز التأكيدي (Confirmation Bias): هو ميل الأفراد للبحث عن وتفسير المعلومات بطريقة تؤكد معتقداتهم أو فرضياتهم المسبقة، وتجاهل المعلومات التي تتعارض معها. هذا التحيز يلعب دورًا كبيرًا في انتشار المعلومات المضللة، وفي تعزيز الاستقطاب السياسي والاجتماعي. في صناعة السياسات، يجب أن يُؤخذ هذا التحيز في الاعتبار عند صياغة حملات التوعية، لضمان أن الرسائل تصل بطريقة لا تثير مقاومة بناءً على معتقدات مسبقة.

كيف يغير الاقتصاد السلوكي صناعة السياسات؟

يقدم الاقتصاد السلوكي منظورًا جديدًا لصانعي السياسات. بدلاً من محاولة "إصلاح" البشر ليصبحوا أكثر عقلانية، فإنه يقترح تصميم بيئات وسياسات تأخذ في الاعتبار طبيعتنا البشرية المعقدة، وتوجهنا بلطف نحو خيارات أفضل. هذا النهج لا يفرض قيودًا أو يحد من الحرية، بل يغير "هندسة الاختيار" (Choice Architecture) لجعل الخيارات المرغوبة أسهل وأكثر جاذبية.

الفكرة الأساسية هي "الوكزة" (Nudge): تغيير بسيط في بيئة اتخاذ القرار يمكن أن يؤثر بشكل كبير على سلوك الأفراد دون منعهم من اختيار أي خيار آخر. على سبيل المثال، وضع الفاكهة في مستوى العين في مقصف المدرسة بدلاً من الحلويات هو "وكزة" بسيطة لتشجيع الطلاب على خيارات صحية. هذه الوكزات مبنية على فهم عميق للتحيزات السلوكية، وتستخدمها لتصميم سياسات "أبوية ليبرالية" (Libertarian Paternalism) – أي توجيه الأفراد نحو ما هو أفضل لهم، مع الحفاظ على حريتهم الكاملة في الاختيار.

أمثلة عملية لتطبيق الاقتصاد السلوكي في السياسات

لقد أثبت الاقتصاد السلوكي فعاليته في مجموعة واسعة من المجالات، من خلال مبادرات حكومية ومراكز أبحاث حول العالم:

  1. التشجيع على الادخار والتقاعد:

    • الاشتراك التلقائي في خطط التقاعد: بدلاً من مطالبة الموظفين بالاشتراك النشط في خطط التقاعد (مما يستغل القصور الذاتي والخصم الزمني)، تقوم العديد من الشركات والحكومات الآن بتسجيل الموظفين تلقائيًا، مع إعطائهم خيار الانسحاب. وقد أدت هذه الوكزة البسيطة إلى زيادة كبيرة في معدلات الادخار للتقاعد.
    • برنامج "ادخر أكثر غدًا" (Save More Tomorrow): صممه ريتشارد ثالر وشلومو بنارتزي، ويسمح للموظفين بالالتزام بزيادة مساهماتهم في خطط التقاعد تلقائيًا في المستقبل، خاصة عندما يحصلون على زيادة في الراتب. هذا يستغل النفور من الخسارة (لن يشعروا بخسارة من راتبهم الحالي) والاندفاع الزائد (يؤجلون القرار الصعب للمستقبل).
  2. تحسين الصحة العامة:

    • نظام "إشارات المرور" الغذائي: في بعض الدول، تُستخدم ملصقات على شكل إشارات مرور (أخضر، أصفر، أحمر) على المنتجات الغذائية لتشير إلى مستويات السكر والملح والدهون. هذا التأطير البصري السريع يساعد المستهلكين على اتخاذ خيارات صحية بسهولة أكبر.
    • تذكيرات المواعيد: أظهرت الدراسات أن إرسال رسائل نصية قصيرة أو رسائل بريد إلكتروني لتذكير المرضى بمواعيد التطعيم أو الفحوصات الروتينية يقلل بشكل كبير من معدلات التغيب، مستغلًا التحيز للاندفاع الزائد ونسيان التفاصيل المستقبلية.
    • تصميم البيئة لتشجيع النشاط البدني: وضع الدرج في مكان بارز ومزين بشكل جذاب، بينما يتم إخفاء المصاعد، يشجع الناس على استخدام الدرج لزيادة نشاطهم البدني.
  3. الاستدامة البيئية:

    • مقارنات استهلاك الطاقة: إرسال رسائل للمنازل تقارن استهلاكهم للطاقة بمتوسط استهلاك جيرانهم (مستغلًا المعايير الاجتماعية) أثبت فعاليته في تشجيع الناس على تقليل استهلاكهم للطاقة.
    • الخيارات الافتراضية للطاقة المتجددة: في بعض المناطق، يتم تسجيل العملاء تلقائيًا في خطط الطاقة المتجددة، مع إعطائهم خيار التحول إلى الطاقة التقليدية. هذا يزيد من استخدام الطاقة المتجددة بشكل ملحوظ بفضل تأثير الوضع الافتراضي.
  4. الامتثال الضريبي:

    • رسائل الامتثال الاجتماعي: وجدت دراسات أن رسائل تذكير دافعي الضرائب بأن "معظم الناس في منطقتك يدفعون ضرائبهم في الوقت المحدد" تزيد من معدلات الامتثال الضريبي، مستفيدة من رغبة الأفراد في التوافق مع المعايير الاجتماعية.
    • تبسيط النماذج الضريبية: تقليل التعقيد في النماذج والإجراءات الضريبية يقلل من العبء المعرفي ويشجع على الامتثال.

التحديات والاعتبارات الأخلاقية

على الرغم من الفوائد الواضحة، يثير تطبيق الاقتصاد السلوكي في السياسات بعض التحديات والاعتبارات الأخلاقية الهامة:

  1. التلاعب مقابل التوجيه: يخشى البعض أن تتحول "الوكزات" إلى شكل من أشكال التلاعب أو الهندسة الاجتماعية، حيث تستغل الحكومات التحيزات البشرية لتحقيق أهدافها، حتى لو لم ت

المراجع

إرسال تعليق

0 تعليقات