صورة من Pexels — المصدر
الاقتصاد السلوكي: بوصلة جديدة لصنع السياسات
لطالما كانت الاقتصادات التقليدية تبني نظرياتها على افتراض أن الإنسان كائن عقلاني يتخذ قراراته بناءً على المنطق البحت، ويسعى دائمًا لتعظيم منفعته الشخصية بأقل جهد ممكن. لكن الواقع، كما نعرف جميعًا، أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فنحن نتخذ قراراتنا تحت تأثير العواطف، والانحيازات المعرفية، والضغوط الاجتماعية، وفي كثير من الأحيان نختار ما يتعارض مع مصلحتنا على المدى الطويل. هنا يأتي دور "الاقتصاد السلوكي"، وهو فرع جديد نسبيًا من علم الاقتصاد يدمج بين مبادئ الاقتصاد وعلم النفس لفهم كيف يتخذ الأفراد قراراتهم في العالم الحقيقي، وكيف يمكن لهذا الفهم أن يشكل ثورة في طريقة صياغة السياسات العامة.
الاقتصاد السلوكي ليس مجرد إضافة هامشية للاقتصاد التقليدي، بل هو عدسة جديدة ننظر من خلالها إلى السلوك البشري، مما يمكن صانعي السياسات من تصميم تدخلات أكثر فعالية وكفاءة، تتجاوز مجرد الحوافز الاقتصادية الصارمة لتلامس الدوافع النفسية والسلوكية الأعمق للأفراد. من خلال فهمنا لأنماط التفكير البشري، يمكننا بناء سياسات لا تخبر الناس بما يجب عليهم فعله، بل توجههم بلطف نحو الخيارات الأفضل لأنفسهم وللمجتمع ككل.
ما هو الاقتصاد السلوكي؟
الاقتصاد السلوكي هو مجال يدرس تأثير العوامل النفسية والعاطفية والاجتماعية والمعرفية على قرارات الأفراد والمؤسسات، وكيف تنحرف هذه القرارات عن التنبؤات التي تضعها النماذج الاقتصادية التقليدية. على عكس الاقتصاد الكلاسيكي الذي يفترض أن الأفراد "عقلانيون" دائمًا، يقر الاقتصاد السلوكي بأن البشر يقعون فريسة لـ"انحيازات معرفية" (Cognitive Biases) و"اختصارات ذهنية" (Heuristics) تؤثر على حكمهم.
من أبرز المساهمات في هذا المجال أعمال دانيال كانيمان وعاموس تفرسكي، اللذين قدما نظرية "الاحتمالية" (Prospect Theory) التي توضح كيف يتخذ الناس قراراتهم تحت ظروف المخاطرة وعدم اليقين، وكيف أنهم غالبًا ما يبالغون في تقدير المكاسب الصغيرة ويقللون من شأن الخسائر الكبيرة، أو العكس. كما أنهم أوضحوا أن الطريقة التي تُقدم بها المعلومات (التأطير) تؤثر بشكل كبير على الخيارات التي يتخذها الأفراد. هذه الرؤى، وغيرها، غيرت فهمنا للسلوك البشري من مجرد آلة حسابية إلى كائن معقد يتأثر ببيئته وتجاربه وانفعالاته.
لماذا يهم الاقتصاد السلوكي صانعي السياسات؟
تكمن أهمية الاقتصاد السلوكي لصانعي السياسات في قدرته على تفسير سبب فشل بعض السياسات التقليدية رغم منطقيتها الظاهرية. فإذا كانت السياسة مبنية على افتراض أن الناس سيتصرفون بعقلانية، لكنهم في الواقع لا يفعلون ذلك، فإن هذه السياسة ستكون غير فعالة. على سبيل المثال، قد تطلق الحكومة حملة توعية بمخاطر السمنة، لكنها قد لا تؤدي إلى تغيير كبير في سلوكيات الأكل، لأن قرار الأكل لا يعتمد فقط على المعرفة، بل يتأثر بالعادات، والمذاق، والراحة، والتأثير الاجتماعي، وحتى حجم الطبق.
يوفر الاقتصاد السلوكي لصانعي السياسات أدوات جديدة لفهم هذه التحديات وتصميم تدخلات تستهدف السلوك البشري مباشرة. بدلاً من محاولة إجبار الناس على اتخاذ خيارات معينة، يمكن للسياسات السلوكية أن توجههم بلطف نحو الأفضل، مع الحفاظ على حريتهم في الاختيار. هذا النهج يسمى "الأبوية التحررية" (Libertarian Paternalism)، وهو ما يعني مساعدة الناس على اتخاذ قرارات أفضل لأنفسهم دون تقييد حرياتهم.
أدوات الاقتصاد السلوكي في صنع السياسات
يعتمد الاقتصاد السلوكي على مجموعة من الأدوات والتقنيات التي يمكن لصانعي السياسات استخدامها للتأثير على السلوك البشري بطرق إيجابية:
-
الدفعات الخفيفة (Nudges): هي جوهر الاقتصاد السلوكي في السياسات. الدفعة الخفيفة هي أي تدخل صغير يغير سلوك الناس بطريقة متوقعة دون حظر أي خيارات أو تغيير حوافزهم الاقتصادية بشكل كبير. إنها لا تفرض شيئًا، بل توجه الناس نحو اتخاذ قرارات أفضل.
- مثال: وضع الفاكهة في مستوى العين في المقصف المدرسي لتشجيع الأطفال على اختيارها بدلاً من الحلويات.
- مثال: تغيير الخيار الافتراضي في استمارة التبرع بالأعضاء من "لا أرغب" إلى "أرغب"، مع إمكانية التغيير.
-
الخيارات الافتراضية (Default Options): يميل الناس إلى الالتزام بالخيارات الافتراضية لأنها تتطلب جهدًا أقل للتغيير. يمكن لصانعي السياسات استغلال هذا الانحياز لتعزيز السلوكيات المرغوبة.
- مثال: التسجيل التلقائي في خطط التقاعد أو برامج توفير الطاقة، مع إمكانية الانسحاب.
-
التأطير (Framing): الطريقة التي تُقدم بها المعلومات تؤثر بشكل كبير على كيفية إدراك الناس لها وتفاعلهم معها. يمكن لصانعي السياسات صياغة الرسائل بطرق تبرز الفوائد أو تقلل من الخسائر المتصورة.
- مثال: بدلاً من القول "ستخسر 100 دولار إذا لم تدفع فاتورتك في الوقت المحدد"، يمكن القول "ستوفر 100 دولار إذا دفعت فاتورتك في الوقت المحدد".
-
التذكيرات الاجتماعية والمعايير (Social Norms and Reminders): يميل الناس إلى تقليد سلوك الآخرين، خاصة من يرونهم جزءًا من مجموعتهم الاجتماعية. يمكن استخدام هذه المعايير لتشجيع السلوكيات الإيجابية. كما أن التذكيرات البسيطة يمكن أن تكون فعالة للغاية.
- مثال: إبلاغ الأسر أن معظم جيرانهم يستهلكون طاقة أقل، لتشجيعهم على تقليل استهلاكهم.
- مثال: إرسال رسائل نصية قصيرة تذكيرية بمواعيد التطعيم أو الفحوصات الطبية.
-
التبسيط (Simplification): غالبًا ما يتجنب الناس الإجراءات المعقدة أو التي تتطلب الكثير من الجهد المعرفي. تبسيط النماذج والإجراءات يمكن أن يزيد من الامتثال والمشاركة.
- مثال: تبسيط نماذج طلب المساعدات الحكومية أو طلبات القروض لتشجيع المزيد من المؤهلين على التقديم.
أمثلة عملية لتطبيق الاقتصاد السلوكي في السياسات
لقد أثبت الاقتصاد السلوكي فعاليته في مجموعة واسعة من المجالات حول العالم:
-
الصحة العامة:
- في المملكة المتحدة، استخدم "فريق الرؤى السلوكية" (Behavioral Insights Team - BIT) رسائل نصية قصيرة لتذكير المرضى بمواعيدهم الطبية، مما قلل بشكل كبير من معدلات التغيب عن المواعيد ووفر على نظام الرعاية الصحية ملايين الجنيهات.
- في الولايات المتحدة، تم تشجيع التبرع بالأعضاء عن طريق تغيير الخيار الافتراضي في استمارات رخصة القيادة ليصبح "موافقًا على التبرع" بدلاً من "غير موافق"، مع إمكانية التغيير.
-
الادخار والتقاعد:
- في العديد من الدول، تم تطبيق سياسات "التسجيل التلقائي" في خطط التقاعد، حيث يصبح الموظفون جزءًا من خطة الادخار بشكل افتراضي ما لم يختاروا الانسحاب. وقد أدت هذه السياسات إلى زيادة كبيرة في معدلات الادخار للتقاعد، خاصة بين الفئات ذات الدخل المنخفض.
-
البيئة:
- في بعض المدن الأوروبية، تم تشجيع إعادة التدوير عن طريق توفير صناديق إعادة التدوير الكبيرة والجذابة في أماكن يسهل الوصول إليها، وتغيير طريقة جمع القمامة لتشجيع فصل النفايات.
- في الولايات المتحدة، أظهرت شركات الكهرباء للمستهلكين مقارنة بين استهلاكهم للطاقة ومتوسط استهلاك جيرانهم، مما أدى إلى انخفاض ملحوظ في استهلاك الطاقة.
-
الضرائب والامتثال:
- أرسلت بعض الحكومات رسائل مخصصة لدافعي الضرائب الذين تأخروا عن السداد، تذكرهم بأن معظم الناس يدفعون ضرائبهم في الوقت المحدد، مما أدى إلى زيادة معدلات الامتثال الضريبي.
- تبسيط نماذج الإقرارات الضريبية وتقليل التعقيدات ساعد في تقليل الأخطاء وزيادة سرعة التقديم.
-
التعليم:
- استخدمت بعض المدارس تذكيرات بسيطة للآباء حول أهمية حضور أطفالهم للمدرسة، مما قلل من معدلات الغياب.
- تصميم بيئات التعلم بطريقة تشجع على التركيز وتقلل من المشتتات، بناءً على فهمنا لكيفية عمل الانتباه البشري.
التحديات والانتقادات
على الرغم من النجاحات الكبيرة للاقتصاد السلوكي، إلا أنه لا يخلو من التحديات والانتقادات:
- الأخلاقيات: يثير البعض تساؤلات أخلاقية حول "الدفعات الخفيفة"، معتبرين أنها شكل من أشكال التلاعب أو "الأخ الأكبر" الذي يتدخل في قرارات الأفراد. يجب أن تكون الدفعات شفافة، وأن تحافظ على حرية الاختيار، وأن توجه الناس نحو مصلحتهم الحقيقية وليس مصالح طرف آخر.
- قابلية التعميم: قد لا تكون الدفعة الخفيفة الفعالة في سياق معين فعالة بالضرورة في سياق آخر أو مع مجموعة سكانية مختلفة. يتطلب تطبيق الاقتصاد السلوكي فهمًا عميقًا للثقافة المحلية والظروف الخاصة.
- الفعالية على المدى الطويل: قد تكون بعض التدخلات السلوكية فعالة على المدى القصير، لكن فعاليتها قد تتلاشى مع مرور الوقت إذا لم يتم تعزيزها أو دمجها مع تغييرات هيكلية أوسع.
- التنبؤ بالاستجابات: قد يكون من الصعب دائمًا التنبؤ بدقة بكيفية استجابة الأفراد لتدخل سلوكي معين، مما يتطلب التجريب المستمر والتقييم الدقيق.
خاتمة
لقد قدم الاقتصاد السلوكي منظورًا جديدًا وقويًا لفهم السلوك البشري، مما أحدث تحولًا جذريًا في نهج صانعي السياسات. فبدلاً من التركيز فقط على الحوافز الاقتصادية الصارمة أو التشريعات القسرية، أصبح بإمكان الحكومات الآن تصميم سياسات تستفيد من فهمها العميق لكيفية تفكير الناس وشعورهم وتصرفهم. من خلال تطبيق أدوات مثل "الدفعات الخفيفة"، والخيارات الافتراضية، والتأطير، يمكن لصانعي السياسات توجيه الأفراد بلطف نحو اتخاذ خيارات أفضل لأنفسهم وللمجتمع، دون المساس بحريتهم.
مع استمرار تطور هذا المجال، من المتوقع أن يزداد تأثير الاقتصاد السلوكي على جميع جوانب السياسات العامة، من الصحة والتعليم إلى البيئة والمالية. ومع ذلك، يجب أن يتم هذا التطبيق بحذر، مع مراعاة الجوانب الأخلاقية، وضمان الشفافية، والتجريب المستمر لضمان أن تكون هذه التدخلات فعالة ومنصفة وموجهة دائمًا نحو تحقيق الرفاهية العامة. الاقتصاد السلوكي ليس عصا
0 تعليقات