Image (forced test URL)
الفاشر تحت المجهر: اعتراف قائد قوات الدعم السريع ونداءات منظمات حقوق الإنسان
في خضم الصراع الدامي الذي يعصف بالسودان منذ أكثر من عام، تبرز مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، كبؤرة لأزمة إنسانية وعسكرية متفاقمة. مع تصاعد وتيرة العنف، تزايدت التقارير والشهادات عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، لتصل ذروتها باعتراف منسوب لقائد ميداني في قوات الدعم السريع بوقوع "أخطاء فردية" في الفاشر، بينما تصف منظمات حقوقية ما يجري هناك بـ"المجازر". هذا التباين في الوصف ليس مجرد اختلاف في المصطلحات، بل يعكس هوة عميقة بين روايات أطراف النزاع وحقيقة المعاناة على الأرض، ويثير تساؤلات ملحة حول المساءلة والعدالة في بلد مزقته الحرب.
تستهدف هذه المقالة تحليل الأبعاد المختلفة لهذا التطور الخطير، مستندة إلى التقرير الذي نشرته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، وتداعياته على الوضع الإنساني والسياسي في السودان، مع ربط ذلك بالسياقات الإقليمية والدولية الأوسع.
الفاشر: قلب الأزمة الإنسانية والعسكرية في دارفور
تتمتع الفاشر بموقع استراتيجي حيوي في إقليم دارفور، فهي المدينة الوحيدة التي لم تسقط بالكامل تحت سيطرة قوات الدعم السريع في الإقليم، وتضم قيادة مشتركة للقوات المسلحة السودانية والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام. هذا الموقع جعلها نقطة ارتكاز رئيسية للصراع بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، التي تسعى للسيطرة الكاملة على دارفور.
منذ اندلاع الاشتباكات في أبريل 2023، تحولت الفاشر إلى ساحة حرب مفتوحة، حيث تتعرض الأحياء السكنية للقصف المدفعي والجوي، وتُشن الهجمات البرية بشكل متواصل. تسببت هذه الأعمال العدائية في نزوح جماعي للسكان، وتدمير للبنى التحتية، وشلل تام في الخدمات الأساسية. المستشفيات تعاني من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، والمدارس أغلقت أبوابها، والمياه الصالحة للشرب والكهرباء باتت رفاهية بعيدة المنال. الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة الدولية حذرت مراراً من كارثة إنسانية وشيكة في الفاشر، حيث يواجه مئات الآلاف من المدنيين خطر المجاعة والأمراض في ظل حصار خانق وانعدام سبل الوصول الآمن للمساعدات الإنسانية. الوضع في الفاشر ليس مجرد معركة عسكرية، بل هو صراع على بقاء مجتمعات بأكملها، ومرآة تعكس حجم التدهور الأمني والإنساني في السودان ككل.
اعتراف قائد قوات الدعم السريع: دلالات وتداعيات
شكل الاعتراف المنسوب لقائد ميداني في قوات الدعم السريع بوقوع "أخطاء فردية" في الفاشر نقطة تحول لافتة في خطاب هذه القوات. فلطالما نفت قوات الدعم السريع ارتكاب انتهاكات منهجية، ملقية باللوم على "فلول النظام السابق" أو "جماعات متفلتة" في أي تجاوزات تُرتكب. لكن هذا الاعتراف، الذي جاء في تقرير لـ BBC، يشير إلى تحول محتمل في استراتيجية التواصل، أو ربما يعكس ضغوطاً داخلية أو خارجية متزايدة.
من الممكن أن يُفسر هذا الاعتراف على أنه محاولة للتخفيف من حدة الانتقادات الدولية المتزايدة، أو لتقديم صورة أكثر اعتدالاً في ظل المساعي الدبلوماسية الرامية لوقف إطلاق النار. ومع ذلك، فإن وصف الانتهاكات بـ"أخطاء فردية" يقلل بشكل كبير من حجم الجرائم الموثقة على نطاق واسع، ويحاول إبعاد المسؤولية عن القيادة العليا للقوات. هذا التوصيف يفتقر إلى الشفافية والمصداقية المطلوبة في قضايا بهذه الخطورة، خاصة عندما يتعلق الأمر بحماية المدنيين والقانون الدولي الإنساني (International Humanitarian Law).
تداعيات هذا الاعتراف قد تكون متعددة. فمن جهة، قد يُنظر إليه كخطوة أولى نحو الاعتراف بالمسؤولية، مما قد يفتح الباب أمام تحقيقات أوسع. ومن جهة أخرى، قد يثير حفيظة المنظمات الحقوقية والضحايا الذين يرون في هذا التوصيف محاولة للتهرب من العدالة. الأهم من ذلك، أنه يضع قيادة قوات الدعم السريع أمام تحدٍ كبير لإثبات جديتها في محاسبة مرتكبي هذه "الأخطاء"، وإلا سيظل مجرد تصريح لا يغير من واقع الانتهاكات المستمرة.
شهادات المنظمات الحقوقية: وصف المجازر وتوثيق الجرائم
على النقيض تماماً من وصف "الأخطاء الفردية"، تصف منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية ما يحدث في الفاشر بأنه "مجازر" (massacres) وجرائم حرب (war crimes) وجرائم ضد الإنسانية (crimes against humanity). هذه المنظمات، مثل منظمة العفو الدولية (Amnesty International) وهيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch)، بالإضافة إلى الشبكات السودانية المحلية، دأبت على توثيق الانتهاكات بشكل منهجي ودقيق منذ بداية الصراع.
تشمل شهاداتهم تفاصيل مروعة عن استهداف المدنيين على أساس عرقي، وعمليات قتل خارج نطاق القانون، والعنف الجنسي الممنهج ضد النساء والفتيات، ونهب وحرق القرى والمنازل، وتدمير المستشفيات والمرافق الصحية. لقد جمعت هذه المنظمات أدلة دامغة، بما في ذلك شهادات ناجين وصور ومقاطع فيديو، تشير إلى أن هذه الانتهاكات ليست حوادث معزولة أو "أخطاء فردية"، بل هي جزء من نمط سلوكي واسع النطاق، وربما تكون جزءاً من سياسة ممنهجة تهدف إلى تهجير جماعي أو تغيير ديموغرافي في المنطقة.
إن وصف هذه الأفعال بـ"المجازر" ليس مجرد توصيف بلاغي، بل هو مصطلح قانوني يحمل دلالات خطيرة في القانون الدولي، ويدعو إلى تدخل دولي ومحاسبة فورية. هذه المنظمات لا تطالب فقط بوقف العنف، بل تدعو أيضاً إلى تحقيق مستقل ومحايد في جميع الجرائم المرتكبة، وتقديم الجناة إلى العدالة، وضمان جبر الضرر للضحايا. هذا التباين الصارخ بين الروايتين يؤكد على الحاجة الملحة لتقصي الحقائق بشكل شامل وغير متحيز.
السياق الإقليمي والدولي: صمت وتدخلات محدودة
لا يمكن فهم الأزمة في السودان بمعزل عن سياقها الإقليمي والدولي المعقد. فالمنطقة المحيطة بالسودان، بما في ذلك تشاد وإثيوبيا وجنوب السودان ومصر، تتأثر بشكل مباشر بالصراع، سواء من خلال تدفق اللاجئين أو زعزعة الاستقرار الإقليمي. بعض الدول الإقليمية لها مصالح متضاربة في السودان، مما يعقد جهود الوساطة ويحد من فعالية التدخلات.
على الصعيد الدولي، تبدو الاستجابة للأزمة السودانية باهتة ومترددة مقارنة بحجم الكارثة الإنسانية. الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية بذلت جهوداً دبلوماسية متقطعة، لكنها لم تنجح في فرض وقف دائم لإطلاق النار أو تأمين ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية بشكل فعال. القوى الكبرى، رغم إدانتها للعنف، لم تظهر الإرادة السياسية الكافية لممارسة ضغوط حاسمة على أطراف النزاع، أو لفرض عقوبات رادعة على المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة. هذا الصمت الدولي النسبي، أو التدخلات المحدودة، يذكّر بأنماط سابقة من النزاعات في الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث غالباً ما تُترك المجتمعات المحلية لتواجه مصيرها في غياب دعم دولي قوي.
إن فشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين في الفاشر، وفي السودان بشكل عام، يثير تساؤلات جدية حول مدى التزامه بمبدأ "مسؤولية الحماية" (Responsibility to Protect - R2P)، ويشجع الأطراف المتحاربة على الاستمرار في انتهاكاتها دون خوف من عواقب حقيقية.
مساءلة الجناة وتحقيق العدالة: طريق طويل وشائك
تظل مساءلة الجناة وتحقيق العدالة للضحايا تحدياً هائلاً في ظل استمرار الصراع وغياب سلطة قضائية فعالة. القانون الدولي، بما في ذلك نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (International Criminal Court - ICC)، يجرم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. وقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية بالفعل أوامر اعتقال بحق شخصيات سودانية سابقة بتهم تتعلق بجرائم دارفور، مما يؤكد على ولايتها القضائية في هذا الإقليم.
ومع ذلك، فإن تحقيق العدالة يتطلب أكثر من مجرد إص

0 تعليقات